تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 484

مساهمون:

ص٤٨٤
أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا . وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا . ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا . وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربى لأجدن خيرا منها منقلبا . قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا . لكنا هو الله ربى ولا أشرك بربى أحدا . ولولا إذ دخلت جنتك قلت
شرح
فيها . والأكل الثمر . وقرئ بضم الكاف ( ولم تظلم ) ولم تنقص وآتت حمل على اللفظ لأن كلتا لفظه لفظ مفرد ، ولو قيل آتتا على المعنى لجاز . وقرئ وفجرنا على التخفيف . وقرأ عبد الله كل الجنتين آتي أكله برد الضمير على كل ( وكان له ثمر ) أي أنواع من المال من ثمر ماله إذا كثره . وعن مجاهد : الذهب والفضة : أي كانت له إلى الجنتين الموصوفتين الأموال الدثرة من الذهب والفضة وغيرهما ، وكان وافر اليسار من كل وجه متمكنا من عمارة الأرض كيف شاء ( وأعز نفرا ) يعنى أنصارا وحشما ، وقيل أولادا ذكورا لأنهم ينفرون معه دون الإناث . ( يحاوره ) يراجعه الكلام من حار يحور إذا رجع وسألته فما أحار كلمة : يعنى قطروس أخذ بيد أخيه المسلم يطوف به في الجنتين ويريه ما فيهما ويعجبه منهما ويفاخره بما ملك من المال دونه . فإن قلت : فلم أفرد الجنة بعد التثنية ؟ قلت : معناه ودخل ما هو جنته ماله جنة غيرها : يعنى أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما ( وهو ظالم لنفسه ) وهو معجب بما أوتى مفتخر به كافر لنعمة ربه معرض بذلك نفسه لسخط الله وهو أفحش الظلم . إخباره عن نفسه بالشك في بيدودة جنته لطول أمله واستيلاء الحرص عليه وتمادى غفلته واغتراره بالمهلة وإطراحه النظر في عواقب أمثاله ، وترى أكثر الأغنياء من المسلمين وإن لم يطلقوا بنحو هذا ألسنتهم فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به منادية عليه ( ولئن رددت إلى ربى ) إقسام منه على أنه إن رد إلى ربه على سبيل الفرض والتقدير وكما يزعم صاحبه ، ليجدن في الآخرة خيرا من جنته في الدنيا تطمعا وتمنيا على الله وادعاء لكرامته عليه ومكانته عنده ، وأنه ما أولاه الجنتين إلا لاستحقاقه واستئهاله وأن معه هذا الاستحقاق أينما توجه كقوله - إن لي عنده للحسنى ( لأوتين مالا وولدا - وقرئ خيرا منهما ردا على الجنتين ( منقلبا ) مرجعا وعاقبة وانتصابه على التمييز : أي منقلب تلك خير من منقلب هذه لأنها فانية وتلك باقية ( خلقك من تراب ) أي خلق أصلك لأن خلق أصله سبب في خلقه فكان خلقه خلقا له ( سواك ) عدلك وكملك إنسانا ذكرا بالغا مبلغ الرجال . جعله كافرا بالله جاحدا لأنعمه لشكه في البعث كما يكون المكذب بالرسول صلى الله عليه وسلم كافرا ( لكنا هو الله ربى ) أصله لكن أنا فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على نون لكن فتلاقت النونان فكان الإدغام ، ونحوه قول القائل : وترمينني بالطرف أي أنت مذنب * وتقليني لكن إياك لا أقلى أي لكن أنا لا أقليك وهو ضمير الشأن ، والشأن الله ربى ، والجملة خبر أنا والراجع منها إليه ياء الضمير . وقرأ ابن عامر بإثبات ألف أنا في الوصل والوقف جميعا ، وحسن ذلك وقوع الألف عوضا من حذف الهمزة وغيره
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 484 | الزمخشري