تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 470

مساهمون:

ص٤٧٠
قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا . وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولى من الذل وكبره تكبيرا .
شرح
آمنوا به أو لا تؤمنوا - وأن يكون تعليلا لقل على سبيل التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتطييب نفسه ، كأنه قيل : تسل عن إيمان الجهلة بإيمان العلماء ، وعلى الأول إن لم تؤمنوا به لقد آمن به من هو خير منكم . فإن قلت : ما معنى الخرور للذقن ؟ قلت : السقوط على الوجه ، وإنما ذكر الذقن وهو مجتمع اللحيين لأن الساجد أول ما يلقى به الأرض من جهة الذقن . فإن قلت : حرف الاستعلاء ظاهر المعنى إذا قلت خر على وجهه وعلى ذقنه ، فما معنى اللام في خر لذقنه ولوجهه ؟ قال : * فخر صريعا لليدين والفم * قلت : معناه جعل ذقنه ووجهه للخرور واختصه به لأن اللام للاختصاص . فإن قلت : لم كرر يخرون للأذقان ؟ قلت : لاختلاف الحالين ، وهما خرورهم في حال كونهم ساجدين ، وخرورهم في حال كونهم باكين . عن ابن عباس رضي الله عنهما سمعه أبو جهل يقول : يا الله يا رحمن ، فقال : إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلها آخر . وقيل إن أهل الكتاب قالوا : إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم فنزلت . والدعاء بمعنى التسمية لا بمعنى النداء ، وهو يتعدى إلى مفعولين ، تقول دعوته زيدا ثم يترك أحدهما استغناء عنه فيقال دعوت زيدا . والله والرحمن المراد بهما الاسم لا المسمى وأو للتخيير فمعنى ( ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ) سموا بهذا الاسم أو بهذا واذكروا إما هذا وإما هذا . والتنوين في ( أيا ) عوض من المضاف إليه ، و ( ما ) صلة للإبهام المؤكد لما في أي : أي أي هذين الاسمين سميتم وذكرتم ( فله الأسماء الحسنى ) والضمير في فله ليس براجع إلى أحد الاسمين المذكورين ، ولكن إلى مسماهما وهو ذاته تعالى لأن التسمية للذات لا للاسم ، والمعنى : أياما تدعوا فهو حسن ، فوضع موضعه قوله - فله الأسماء الحسنى - لأنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان لأنه منها ، ومعنى كونها أحسن الأسماء أنها مستقلة بمعانى التحميد والتقديس والتعظيم ( بصلاتك ) بقراءة صلاتك على حذف المضاف لأنه لا يلبس من قبل أن الجهر والمخافتة صفتان تعتقبان على الصوت لا غير ، والصلاة أفعال وأذكار " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع صوته بقراءته ، فإذا سمعها المشركون لغوا وسبوا ، فأمر بأن يخفض من صوته " . والمعنى : ولا تجهر حتى تسمع المشركين ( ولا تخافت ) حتى لا تسمع من خلفك ( وابتغ بين ) الجهر والمخافتة ( سبيلا ) وسطا . وروى أن أبا بكر رضي الله عنه كان يخفى صوته بالقراءة في صلاته ويقول : أناجي ربى وقد علم حاجتي . وكان عمر رضي الله عنه يرفع صوته ويقول : أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان ، فأمر أبا بكر أن يرفع قليلا وعمر أن يخفض قليلا . وقيل معناه : ولا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها وابتغ بين ذلك سبيلا بأن تجهر بصلاة الليل وتخافت بصلاة النهار . وقيل بصلاتك بدعائك . وذهب قوم إلى أن الآية منسوخة بقوله - ادعوا ربكم تضرعا وخفية - وابتغاء السبيل مثل لانتحاء الوجه الوسط في القراءة ( ولى من الذل ) ناصر من الذل ومانع له منه لاعتزازه
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 470 | الزمخشري