قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك
ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا . وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولى من الذل وكبره تكبيرا .
شرح
آمنوا به أو لا تؤمنوا - وأن يكون تعليلا لقل على سبيل التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتطييب نفسه ،
كأنه قيل : تسل عن إيمان الجهلة بإيمان العلماء ، وعلى الأول إن لم تؤمنوا به لقد آمن به من هو خير منكم . فإن
قلت : ما معنى الخرور للذقن ؟ قلت : السقوط على الوجه ، وإنما ذكر الذقن وهو مجتمع اللحيين لأن الساجد
أول ما يلقى به الأرض من جهة الذقن . فإن قلت : حرف الاستعلاء ظاهر المعنى إذا قلت خر على وجهه وعلى
ذقنه ، فما معنى اللام في خر لذقنه ولوجهه ؟ قال : * فخر صريعا لليدين والفم * قلت : معناه جعل ذقنه
ووجهه للخرور واختصه به لأن اللام للاختصاص . فإن قلت : لم كرر يخرون للأذقان ؟ قلت : لاختلاف
الحالين ، وهما خرورهم في حال كونهم ساجدين ، وخرورهم في حال كونهم باكين . عن ابن عباس رضي الله عنهما
سمعه أبو جهل يقول : يا الله يا رحمن ، فقال : إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلها آخر . وقيل إن أهل
الكتاب قالوا : إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم فنزلت . والدعاء بمعنى التسمية لا بمعنى
النداء ، وهو يتعدى إلى مفعولين ، تقول دعوته زيدا ثم يترك أحدهما استغناء عنه فيقال دعوت زيدا . والله
والرحمن المراد بهما الاسم لا المسمى وأو للتخيير فمعنى ( ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ) سموا بهذا الاسم أو بهذا واذكروا
إما هذا وإما هذا . والتنوين في ( أيا ) عوض من المضاف إليه ، و ( ما ) صلة للإبهام المؤكد لما في أي : أي أي
هذين الاسمين سميتم وذكرتم ( فله الأسماء الحسنى ) والضمير في فله ليس براجع إلى أحد الاسمين المذكورين ،
ولكن إلى مسماهما وهو ذاته تعالى لأن التسمية للذات لا للاسم ، والمعنى : أياما تدعوا فهو حسن ، فوضع موضعه
قوله - فله الأسماء الحسنى - لأنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان لأنه منها ، ومعنى كونها أحسن
الأسماء أنها مستقلة بمعانى التحميد والتقديس والتعظيم ( بصلاتك ) بقراءة صلاتك على حذف المضاف لأنه لا يلبس
من قبل أن الجهر والمخافتة صفتان تعتقبان على الصوت لا غير ، والصلاة أفعال وأذكار " وكان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يرفع صوته بقراءته ، فإذا سمعها المشركون لغوا وسبوا ، فأمر بأن يخفض من صوته " . والمعنى : ولا
تجهر حتى تسمع المشركين ( ولا تخافت ) حتى لا تسمع من خلفك ( وابتغ بين ) الجهر والمخافتة ( سبيلا ) وسطا .
وروى أن أبا بكر رضي الله عنه كان يخفى صوته بالقراءة في صلاته ويقول : أناجي ربى وقد علم حاجتي . وكان
عمر رضي الله عنه يرفع صوته ويقول : أزجر الشيطان وأوقظ الوسنان ، فأمر أبا بكر أن يرفع قليلا وعمر أن
يخفض قليلا . وقيل معناه : ولا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها وابتغ بين ذلك سبيلا بأن تجهر بصلاة
الليل وتخافت بصلاة النهار . وقيل بصلاتك بدعائك . وذهب قوم إلى أن الآية منسوخة بقوله - ادعوا ربكم تضرعا
وخفية - وابتغاء السبيل مثل لانتحاء الوجه الوسط في القراءة ( ولى من الذل ) ناصر من الذل ومانع له منه لاعتزازه