قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا . ومن يهد الله فهو
المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم
عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا . ذلك جزاؤهم بأنهم
كفروا بآياتنا وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا . أولم يروا
أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا
لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا . قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربى إذا
شرح
أما الإنس فما هم بهذه المثابة إنما يرسل الملك إلى مختار منهم للنبوة فيقوم ذلك المختار بدعوتهم وإرشادهم . فإن قلت :
هل يجوز أن يكون بشرا وملكا منصوبين على الحال من رسولا ؟ قلت : وجه حسن ، والمعنى له أجوب ( شهيدا
بيني وبينكم ) على أنى بلغت ما أرسلت به إليكم وأنكم كذبتم وعاندتم ( إنه كان بعباده ) المنذرين والمنذرين
( خبيرا ) عالما بأحوالهم فهو مجازيهم ، وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيد للكفرة وشهيدا تمييز أو حال
( ومن يهد الله ) ومن يوفقه ويلطف به ( فهو المهتد ) لأنه لا يلطف إلا بمن عرف أن اللطف ينفع فيه ( ومن يضلل )
ومن يخذل ( فلن تجد لهم أولياء ) أنصارا ( على وجوههم ) كقوله - يوم يسحبون في النار على وجوههم - وقيل
لرسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف يمشون على وجوههم ؟ قال : إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن
يمشيهم على وجوههم ( عميا وبكما وصما ) كما كانوا في الدنيا لا يستبصرون بالحق ويتصامون عن استماعه فهم في
الآخرة كذلك لا يبصرون ما يقر أعينهم ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم ولا ينطقون بما يقبل منهم - ومن كان في هذه
أعمى فهو في الآخرة أعمى - ويجوز أن يحشروا مؤقى الحواس من الموقف إلى النار بعد الحساب ، فقد أخبر عنهم
في موضع آخر أنهم يقرءون ويتكلمون ( كلما خبت ) كلما أكلت جلودهم ولحومهم وأفنتها فسكن لهبا بدلوا
غيرها فرجعت ملتهبة مستعرة كأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جعل الله جزاءهم أن سلط النار على أجزائهم
تأكلها وتفنيها ثم يعيدها ، لا يزالون على الإفناء والإعادة ليزيد ذلك في تحسرهم على تكذيبهم البعث ولأنه أدخل
في الانتقام من الجاحد ، وقد دل على ذلك بقوله ( ذلك جزاؤهم ) إلى قوله ( أئنا لمبعوثون خلقا جديدا ) . فإن
قلت : علام عطف قوله - وجعل لهم أجلا - ؟ قلت : على قوله " أو لم يروا ) لأن المعنى : قد علموا بدليل العقل
أن من قدر على خلق السماوات والأرض فهو قادر على خلق أمثالهم من الإنس لأنهم ليسوا بأشد خلقا منهن كما قال
- أأنتم أشد خلقا أم السماء - ( وجعل لهم أجلا لا ريب فيه ) وهو الموت أو القيامة فأبوا مع وضوح الدليل إلا
جحودا . لو حقها أن تدخل على الأفعال دون الأسماء فلا بد من فعل بعدها في ( لو أنتم تملكون ) وتقديره : لو