تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 467

مساهمون:

ص٤٦٧
قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا . ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا . ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا . أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا . قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربى إذا
شرح
أما الإنس فما هم بهذه المثابة إنما يرسل الملك إلى مختار منهم للنبوة فيقوم ذلك المختار بدعوتهم وإرشادهم . فإن قلت : هل يجوز أن يكون بشرا وملكا منصوبين على الحال من رسولا ؟ قلت : وجه حسن ، والمعنى له أجوب ( شهيدا بيني وبينكم ) على أنى بلغت ما أرسلت به إليكم وأنكم كذبتم وعاندتم ( إنه كان بعباده ) المنذرين والمنذرين ( خبيرا ) عالما بأحوالهم فهو مجازيهم ، وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيد للكفرة وشهيدا تمييز أو حال ( ومن يهد الله ) ومن يوفقه ويلطف به ( فهو المهتد ) لأنه لا يلطف إلا بمن عرف أن اللطف ينفع فيه ( ومن يضلل ) ومن يخذل ( فلن تجد لهم أولياء ) أنصارا ( على وجوههم ) كقوله - يوم يسحبون في النار على وجوههم - وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف يمشون على وجوههم ؟ قال : إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم ( عميا وبكما وصما ) كما كانوا في الدنيا لا يستبصرون بالحق ويتصامون عن استماعه فهم في الآخرة كذلك لا يبصرون ما يقر أعينهم ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم ولا ينطقون بما يقبل منهم - ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى - ويجوز أن يحشروا مؤقى الحواس من الموقف إلى النار بعد الحساب ، فقد أخبر عنهم في موضع آخر أنهم يقرءون ويتكلمون ( كلما خبت ) كلما أكلت جلودهم ولحومهم وأفنتها فسكن لهبا بدلوا غيرها فرجعت ملتهبة مستعرة كأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جعل الله جزاءهم أن سلط النار على أجزائهم تأكلها وتفنيها ثم يعيدها ، لا يزالون على الإفناء والإعادة ليزيد ذلك في تحسرهم على تكذيبهم البعث ولأنه أدخل في الانتقام من الجاحد ، وقد دل على ذلك بقوله ( ذلك جزاؤهم ) إلى قوله ( أئنا لمبعوثون خلقا جديدا ) . فإن قلت : علام عطف قوله - وجعل لهم أجلا - ؟ قلت : على قوله " أو لم يروا ) لأن المعنى : قد علموا بدليل العقل أن من قدر على خلق السماوات والأرض فهو قادر على خلق أمثالهم من الإنس لأنهم ليسوا بأشد خلقا منهن كما قال - أأنتم أشد خلقا أم السماء - ( وجعل لهم أجلا لا ريب فيه ) وهو الموت أو القيامة فأبوا مع وضوح الدليل إلا جحودا . لو حقها أن تدخل على الأفعال دون الأسماء فلا بد من فعل بعدها في ( لو أنتم تملكون ) وتقديره : لو