فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا . إنا جعلنا
ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا . وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا
جرزا . أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا . إذ أوى الفتية
إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا . فضربنا على
آذانهم في الكهف سنين عددا . ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين
شرح
توليهم لرجل فارقه أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم ويبخع نفسه وجدا عليهم وتلهفا على فراقهم
وقرئ باخع نفسك على الأصل وعلى الإضافة : أي قاتلها ومهلكها ، وهو للاستقبال فيمن قرأ إن لم يؤمنوا ،
وللمضى فيمن قرأ إن لم يؤمنوا بمعنى لأن لم يؤمنوا ( بهذا الحديث ) بالقرآن ( أسفا ) مفعول له : أي لفرط الحزن .
ويجوز أن يكون حالا والأسف المبالغة في الحزن والغضب ، يقال رجل أسف وأسيف ( ما على الأرض ) يعنى
ما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن منها ( لنبلوهم أيهم أحسن عملا ) وحسن العمل الزهد
فيها وترك الاغترار بها . ثم زهد في الميل إليها بقوله ( وإنا لجاعلون ما عليها ) من هذه الزينة ( صعيدا جرزا ) يعنى
مثل أرض بيضاء لانبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة في إزالة بهجته وإماطة حسنه وإبطال ما به كان زينة من
إماتة الحيوان وتجفيف النبات والأشجار ونحو ذلك . ذكر من الآيات الكلية تزيين الأرض بما خلق فوقها من
الأجناس التي لاحصر لها وإزالة ذلك كله كأن لم يكن ، ثم قال ( أم حسبت ) يعنى أن ذلك أعظم من قصة أصحاب
الكهف وإبقاء حياتهم مدة طويلة . والكهف : الغار الواسع في الجبل ( والرقم ) اسم كلبهم ، قال أمية بن أبي
الصلت :
وليس بها إلا الرقيم مجاورا وصيدهم والقوم في الكهف همد
وقيل هو لوح من رصاص رقمت فيه أسماؤهم جعل على باب الكهف ، وقيل إن الناس رقموا حديثهم نقرا
في الجبل ، وقيل هو الوادي الذي فيه الكهف ، وقيل الجبل ، وقيل قريتهم ، وقيل مكانهم بين غضبان وأيلة
دون فلسطين ( كانوا ) آية ( عجبا ) من آياتنا وصفا بالمصدر أو على ذات عجب ( من لدنك رحمة ) أي رحمة من
خزائن رحمتك وهى المغفرة والرزق والأمن من الأعداء ( وهيئ لنا من أمرنا ) الذي نحن عليه من مفارقة الكفار
( رشدا ) حتى نكون بسببه راشدين مهتدين ، أو اجعل أمرنا رشدا كله كقولك : رأيت منك أسدا ( فضربنا على
آذانهم ) أي ضربنا عليها حجابا من أن تسمع : يعنى أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات كما ترى المستثقل
في نومه يصاح به فلا يسمع ولا يستنبه ، فحذف المفعول الذي هو الحجاب ، كما يقال بنى على امرأته : يريدون
بنى عليها القبة ( سنين عددا ) ذوات عدد فيحتمل أن يريد الكثرة وأن يريد القلة ، لأن الكثير قليل عنده كقوله
- لم يلبثوا إلا ساعة من نهار - وقال الزجاج : إذا قل فهم مقدار عدده فلم يحتج أن يعد ، وإذا كثر احتاج إلى أن
يعد : أي يتضمن معنى الاستفهام فعلق عنه لنعلم فلم يعمل فيه . وقرئ ليعلم وهو معلق عنه أيضا لأن ارتفاعه
بالابتداء لا بإسناد يعلم إليه ، وفاعل يعلم مضمون الجملة كما أنه مفعول نعلم ( أي الحزبين ) المختلفين منهم في مدة