تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 472

مساهمون:

ص٤٧٢
لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا . ماكثين فيه ابدا . وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا . مالهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا .
شرح
بين الحال وذي الحال ببعض الصلة ، وتقديره : ولم يجعل له عوجا . جعله قيما لأنه إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة . فإن قلت : ما فائدة الجمع بين نفى العوج وإثبات الاستقامة وفى أحدهما غنى عن الآخر ؟ قلت : فائدته التأكيد فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة ولا يخلو من أدنى عوج عند السبر والتصفح . وقيل قيما على سائر الكتب مصدقا لها شاهدا بصحتها . وقيل قيما بمصالح العباد وما لا بدلهم منه من الشرائع . وقرئ قيما . أنذر متعد إلى مفعولين كقوله - إنا أنذرناكم عذابا قريبا - فاقتصر على أحدهما وأصله ( لينذر ) الذين كفروا ( بأسا شديدا ) والبأس من قوله - بعذاب بئيس - وقد بؤس العذاب وبؤس الرجل بأسا وبآسة ( من لدنه ) صادرا من عنده ، وقرئ من لدنه بسكون الدال مع إشمام الضمة وكسر النون ( ويبشر ) بالتخفيف والتثقيل - فإن قلت : لم اقتصر على أحد مفعولي ينذر ؟ قلت : قد جعل المنذر به هو الغرض المسوق إليه فوجب الاقتصار عليه ، والدليل عليه تكرير الإنذار في قوله ( وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ) متعلقا بالمنذرين من غير ذكر المنذر به كما ذكر المبشر به في قوله أن لهم أجرا حسنا استغناء بتقدم ذكره . والأجر الحسن الجنة ( مالهم به من علم ) أي بالولد أو باتخاذه : يعنى أن قولهم هذا لم يصدر عن علم ، ولكن عن جهل مفرط وتقليد للآباء ، وقد استملته آباؤهم من الشيطان وتسويله . فإن قلت : اتخاذ الله ولدا في نفسه محال فكيف قيل ما لهم به من علم ؟ قلت : معناه مالهم به من علم لأنه ليس مما يعلم لاستحالته : وانتفاء العلم بالشئ إما للجهل بالطريق الموصل إليه ، وإما لأنه في نفسه محال لا يستقيم تعلق العلم به . قرئ كبرت كلمة ، وكلمة بالنصب على التمييز والرفع على الفاعلية والنصب أقوى وأبلغ ، وفيه معنى التعجب كأنه قيل : ما أكبرها كلمة ، و ( تخرج من أفواههم ) صفة للكلمة تفيد استعظاما لاجترائهم على النطق به وإخراجها من أفواههم ، فإن كثيرا مما يوسوسه الشيطان في قلوب الناس ويحدثون به أنفسهم من المنكرات لا يتمالكون أن يتفوهوا به ويطلقوا به ألسنتهم بل يكظمون عليه تشورا من إظهاره ، فكيف بمثل هذا المنكر ؟ وقرئ كبرت بسكون الباء مع إشام الضمة . فإن قلت : إلام يرجع الضمير في كبرت ؟ قلت : إلى قولهم اتخذ الله ولدا ، وسميت كلمة كما يسمون القصيدة بها ، شبهه وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به وما تداخله من الوجد والأسف على