لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم
أجرا حسنا . ماكثين فيه ابدا . وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا . مالهم به من علم
ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا .
شرح
بين الحال وذي الحال ببعض الصلة ، وتقديره : ولم يجعل له عوجا . جعله قيما لأنه إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له
الاستقامة . فإن قلت : ما فائدة الجمع بين نفى العوج وإثبات الاستقامة وفى أحدهما غنى عن الآخر ؟ قلت : فائدته
التأكيد فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة ولا يخلو من أدنى عوج عند السبر والتصفح . وقيل قيما على سائر الكتب
مصدقا لها شاهدا بصحتها . وقيل قيما بمصالح العباد وما لا بدلهم منه من الشرائع . وقرئ قيما . أنذر متعد إلى مفعولين
كقوله - إنا أنذرناكم عذابا قريبا - فاقتصر على أحدهما وأصله ( لينذر ) الذين كفروا ( بأسا شديدا ) والبأس من
قوله - بعذاب بئيس - وقد بؤس العذاب وبؤس الرجل بأسا وبآسة ( من لدنه ) صادرا من عنده ، وقرئ من لدنه
بسكون الدال مع إشمام الضمة وكسر النون ( ويبشر ) بالتخفيف والتثقيل - فإن قلت : لم اقتصر على أحد مفعولي
ينذر ؟ قلت : قد جعل المنذر به هو الغرض المسوق إليه فوجب الاقتصار عليه ، والدليل عليه تكرير الإنذار في
قوله ( وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ) متعلقا بالمنذرين من غير ذكر المنذر به كما ذكر المبشر به في قوله أن لهم
أجرا حسنا استغناء بتقدم ذكره . والأجر الحسن الجنة ( مالهم به من علم ) أي بالولد أو باتخاذه : يعنى أن قولهم هذا
لم يصدر عن علم ، ولكن عن جهل مفرط وتقليد للآباء ، وقد استملته آباؤهم من الشيطان وتسويله . فإن قلت :
اتخاذ الله ولدا في نفسه محال فكيف قيل ما لهم به من علم ؟ قلت : معناه مالهم به من علم لأنه ليس مما يعلم لاستحالته :
وانتفاء العلم بالشئ إما للجهل بالطريق الموصل إليه ، وإما لأنه في نفسه محال لا يستقيم تعلق العلم به . قرئ كبرت
كلمة ، وكلمة بالنصب على التمييز والرفع على الفاعلية والنصب أقوى وأبلغ ، وفيه معنى التعجب كأنه قيل :
ما أكبرها كلمة ، و ( تخرج من أفواههم ) صفة للكلمة تفيد استعظاما لاجترائهم على النطق به وإخراجها من
أفواههم ، فإن كثيرا مما يوسوسه الشيطان في قلوب الناس ويحدثون به أنفسهم من المنكرات لا يتمالكون أن
يتفوهوا به ويطلقوا به ألسنتهم بل يكظمون عليه تشورا من إظهاره ، فكيف بمثل هذا المنكر ؟ وقرئ كبرت
بسكون الباء مع إشام الضمة . فإن قلت : إلام يرجع الضمير في كبرت ؟ قلت : إلى قولهم اتخذ الله ولدا ، وسميت
كلمة كما يسمون القصيدة بها ، شبهه وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به وما تداخله من الوجد والأسف على