تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
إلا خسارا . وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤسا . قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا . ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا . ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا . إلا رحمة من ربك إن فضله
شرح
المرضى . وعن النبي صلى الله عليه وسلم " من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله " . ولا يزداد به الكافرون ( إلا خسارا ) أي نقصانا لتكذيبهم به وكفرهم كقوله تعالى - فزادتهم رجسا إلى رجسهم - ( وإذا أنعمنا على الإنسان ) بالصحة والسعة ( أعرض ) عن ذكر الله كأنه مستغن عنه مستبد بنفسه ( ونأى بجانبه ) تأكيد للإعراض ، لأن الإعراض عن الشئ أن يوليه عرض وجهه . والنأي بالجانب أن يلوي عنه عطفه ويوليه ظهره ، أو أراد الاستكبار لأن ذلك من عادة المستكبرين ( وإذا مسه الشر ) من فقر أو مرض أو نازلة من النوازل ( كان يؤسا ) شديد اليأس من روح الله - إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون - . وقرئ وناء بجانبه بتقديم اللام على العين كقولهم راء في رأى ، ويجوز أن يكون من ناء بمعنى نهض ( قل كل ) أحد ( يعمل على شاكلته ) أي على مذهبه وطريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضلالة من قولهم طريق ذو شواكل وهي الطرق التي تتشعب منه ، والدليل عليه قوله ( فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا ) أي أسد مذهبا وطريقة . الأكثر على أنه الروح الذي في الحيوان ، سألوه عن حقيقته فأخبر أنه من أمر الله : أي مما استأثر بعلمه . وعن أبي بريدة : لقد مضى النبي صلى الله عليه وسلم وما يعلم الروح . وقيل هو خلق عظيم روحاني أعظم من الملك ، وقيل جبريل عليه السلام ، وقيل القرآن و ( من أمر ربي ) أي من وحيه وكلامه ليس من كلام البشر . بعثت اليهود إلى قريش أن سلوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح ، فإن أجاب عنها أو سكت فليس بنبي ، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي ، فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح وهو مبهم في التوراة فندموا على سؤالهم ( وما أوتيتم ) الخطاب عام . وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك قالوا : نحن مختصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه ؟ فقال : بل نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلا ، فقالوا : ما أعجب شأنك ساعة تقول - ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا - وساعة تقول هذا ، فنزلت - ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام - وليس ما قالوه بلازم أن القلة والكثرة تدوران مع الإضافة ، فيوصف الشئ بالقلة مضافا إلى ما فوقه ، والكثرة مضافا إلى ما تحته ، فالحكمة التي أوتيها العبد خير كثير في نفسها إلا أنها إذا أضيفت إلى علم الله فهي قليلة . وقيل هو خطاب لليهود خاصة لأنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : قد أوتينا التوراة وفيها الحكمة وقد تلوت - ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثير - فقيل لهم : إن علم التوراة قليل في جنب علم الله ( لنذهبن ) جواب قسم محذوف مع نيابته عن جزاء الشرط ، واللام الداخلة على إن موطئة للقسم ، والمعنى : إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه عن الصدور والمصاحف فلم نترك له أثرا وبقيت كما كنت لا تدري ما الكتاب ( ثم لا تجد لك ) بعد الذهاب ( به ) من يتوكل علينا باسترداده وإعادته محفوظا مستورا ( إلا رحمة من ربك ) إلا أن يرحمك ربك فيرده عليك كأن رحمته تتوكل عليه بالرد ، أو يكون على الاستثناء المنقطع ، بمعنى : ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به ، هذا امتنان من الله تعالى ببقاء