تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا . أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا . ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا . وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق
شرح
فالله مانعك منهم ، فعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أميال من المدينة ، وقيل بذي الحليفة حتى يجتمع إليه أصحابه ويراه الناس عازما على الخروج إلى الشأم لحرصه على دخول الناس في دين الله ، فنزلت فرجع . وقرئ لا يلبثون ، وفي قراءة أبي لا يلبثوا على إعمال إذا . فإن قلت : ما وجه القراءتين ؟ قلت : أما الشائعة فقد عطف فيها الفعل على الفعل وهو مرفوع لوقوعه خبر كاد ، والفعل في خبر كاد واقع موقع الاسم . وأما قراءة أبي ففيها الجملة برأسها التي هي إذا لا يلبثوا عطف على جملة قوله - وإن كادوا ليستفزونك - . وقرئ خلافك ، قال : عفت الديار خلافهم فكأنما * بسط الشواطب بينهن حصيرا أي بعدهم ( سنة من قد أرسلنا ) يعني أن كل قوم أخرجوا رسولهم من بين ظهرانيهم فسنة الله أن يهلكهم ، ونصبت نصب المصدر المؤكد : أي سن الله ذلك سنة . دلكت الشمس غربت ، وقيل زالت . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم " أتاني جبريل عليه السلام لدلوك الشمس حين زالت الشمس فصلى بي الظهر " واشتقاقه من الدلك لأن الإنسان يدلك عينه عند النظر إليها ، فإن كان الدلوك الزوال فالآية جامعة للصلوات الخمس ، وإن كان الغروب فقد خرجت منها الظهر والعصر . والغسق : الظلمة وهو وقت صلاة العشاء ( وقرآن الفجر ) صلاة الفجر ، سميت قرآنا وهو القراءة لأنها ركن كما سميت ركوعا وسجودا وقنوتا وهي حجة على ابن علية والأصم في زعمهما أن القراءة ليست بركن ( مشهودا ) يشهدها ملائكة الليل والنهار ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء ، فهو في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار ، أو يشهده الكثير من المصلين في العادة ، أو من حقه أن يكون مشهودا بالجماعة الكثيرة . ويجوز أن يكون وقرآن الفجر حثا على طول القراءة في صلاة الفجر لكونها مكثورا عليها ليسمع الناس القرآن فيكثر الثواب ، ولذلك كانت الفجر أطول الصلوات قراءة ( ومن الليل ) وعليك بعض الليل ( فتهجد به ) والتهجد ترك الهجود للصلاة ونحوه التأثم والتحرج ، ويقال أيضا في النوم تهجد ( نافلة لك ) عبادة زائدة لك على الصلوات الخمس وضع نافلة موضع تهجدا لأن التهجد عبادة زائدة ، فكان التهجد والنافلة يجمعهما معنى واحد ، والمعنى أن التهجد زيد لك على الصلوات المفروضة فريضة عليك خاصة دون غيرك لأنه تطوع لهم ( مقاما محمودا ) نصب على الظرف : أي عسى أن يبعثك يوم القيامة فيقيمك مقاما محمودا ، أو ضمن يبعثك معنى يقيمك . ويجوز أن يكون حالا بمعنى أن يبعثك ذا مقام محمود ، ومعنى المقام المحمود : المقام الذي يحمده القائم فيه وكل من رآه وعرفه ، وهو مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات ، وقيل المراد الشفاعة وهي نوع واحد مما يتناوله . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : مقام يحمدك فيه الأولون والآخرون ، وتشرف فيه على جميع الخلائق ، تسأل فتعطى ، وتشفع فتشفع ، ليس أحد إلا تحت لوائك . وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " هو المقام
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 462 | الزمخشري