واجعل لي من لدنك سلطان نصيرا . وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا .
وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين .
شرح
الذي أشفع فيه لأمتي " . وعن حذيفة " يجمع الناس في صعيد واحد فلا تتكلم نفس ، فأول مدعو محمد صلى الله
عليه وسلم فيقول : لبيك وسعديك والشر ليس إليك ، والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك
وإليك ، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك ، تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت " قال : فهذا قوله - عسى أن
يبعثك ربك مقاما محمودا - وقرئ مدخل ومخرج بالضم والفتح بمعنى المصدر ، ومعنى الفتح أدخلني فأدخل مدخل
صدق : أي أدخلني القبر مدخل صدق إدخالا مرضيا على طهارة وطيب من السيئات ، وأخرجني منه عند البعث
إخراجا مرضيا ملقى بالكرامة آمنا من السخط يدل عليه ذكره على أثر ذكر البعث . وقيل نزلت حين أمر بالهجرة
يريد إدخال المدينة والإخراج من مكة . وقيل إدخاله مكة ظاهرا عليها بالفتح وإخراجه منها آمنا من المشركين .
وقيل إدخاله الغار وإخراجه منه سالما . وقيل إدخاله فيما حمله من عظيم الأمر وهو النبوة ، وإخراجه منه مؤديا لما
كلفه من غير تفريط . وقيل الطاعة . وقيل هو عام في كل ما يدخل فيه ويلابسه من أمر ومكان ( سلطانا ) حجة
تنصرني على من خالفني ، أو ملكا وعزا قويا ناصرا للإسلام على الكفر مظهرا له عليه ، فأجيبت دعوته بقوله - والله
يعصمك من الناس - فإن حزب الله هم الغالبون - ليظهره على الدين كله - ليستخلفنهم في الأرض - ووعده لينزعن
ملك فارس والروم فيجعله له . وعنه صلى الله عليه وسلم " أنه استعمل عتاب بن أسيد على أهل مكة وقال : انطلق
فقد استعملتك على أهل الله ، فكان شديدا على المريب لينا على المؤمن ، وقال : لا والله لا أعلم متخلفا يتخلف عن
الصلاة في جماعة إلا ضربت عنقه ، فإنه لا يتخلف عن الصلاة إلا منافق ، فقال أهل مكة : يا رسول الله لقد
استعملت على أهل الله عتاب بن أسيد أعرابيا جافيا ، فقال صلى الله عليه وسلم : إني رأيت فيما يرى النائم كأن
عتاب بن أسيد أتى باب الجنة فأخذ بحلقة الباب فقلقلها قلقالا شديدا حتى فتح له فدخلها " فأعز الله به الإسلام
لنصرته المسلمين على من يريد ظلمهم ، فذلك السلطان النصير . كان حول البيت ثلاثمائة وستون صنما ، صنم كل
قوم بحيالهم . وعن ابن عباس رضي الله عنهما " كانت لقبائل العرب يحجون إليها وينحرون لها ، فشكا البيت إلى
الله عز وجل فقال : أي رب حتى متى تعبد هذه الأصنام حولي دونك ؟ فأوحى الله إلى البيت : إني سأحدث لك
نوبة جديدة فأملؤك خدودا سجدا يدفون إليك دفيف النسور ويحنون إليك حنين الطير إلى بيضها لهم عجيج حولك
بالتلبية " ولما نزلت هذه الآية يوم الفتح قال جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم : خذ مخصرتك
ثم ألقها ، فجعل يأتي صنما صنما وهو ينكث بالمخصرة في عينه ويقول : جاء الحق وزهق الباطل ، فينكب الصنم
لوجهه حتى ألقاها جميعا ، وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة وكان من قوارير صفر ، فقال : يا علي ارم به ، فحمله
رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد فرمى به فكسره ، فجعل أهل مكة يتعجبون ويقولون : ما رأينا رجلا
أسحر من محمد صلى الله عليه وسلم " وشكاية البيت والوحي إليه تمثيل وتخييل ( وزهق الباطل ) ذهب وهلك من
قولهم زهقت نفسه إذا خرجت . والحق الإسلام ، والباطل الشرك ( كان زهوقا ) كان مضمحلا غير ثابت في كل
وقت ( وننزل ) قرئ بالتخفيف والتشديد ( من القرآن ) من للتبيين كقوله " من الأوثان " أو للتبعيض : أي كل
شئ نزل من القرآن فهو شفاء للمؤمنين يزدادون به إيمانا ويستصلحون به دينهم فموقعه منهم موقع الشفاء من