تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 447

مساهمون:

ص٤٤٧
ترجوها فقل لهم قولا ميسورا . ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا . إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده
شرح
أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل حياء من الرد ( فقل لهم قولا ميسورا ) فلا تتركهم غير مجابين إذا سألوك " وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سئل شيئا وليس عنده أعرض عن السائل وسكت حياء " . وقوله - ابتغاء رحمة من ربك - إما أن يتعلق بجواب الشرط مقدما عليه : أي فقل لهم قولا سهلا لينا وعدهم وعدا جميلا رحمة لهم وتطييبا لقلوبهم ابتغاء رحمة من ربك : أي ابتغ رحمة الله التي ترجوها برحمتك عليهم ، وإما أن يتعلق بالشرط : أي وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح لك فسمى الرزق رحمة فردهم ردا جميلا ، فوضع الابتغاء موضع الفقد لأن فاقد الرزق مبتغ له ، فكان الفقد سبب الابتغاء والابتغاء مسببا عنه ، فوضع المسبب موضع السبب . ويجوز أن يكون معنى وإما تعرضن عنهم : وإن لم تنفعهم ولم ترفع خصاصتهم لعدم الاستطاعة ، ولا يريد الإعراض بالوجه ، كناية بالإعراض عن ذلك لأن من أبى أن يعطي أعرض بوجهه . يقال يسر الأمر وعسر مثل سعد الرجل ونحس فهو مفعول ، وقيل معناه : فقل لهم رزقنا الله وإياكم من فضله على أنه دعاء لهم ييسر عليهم فقرهم ، كأن معناه قولا ذا ميسور وهو اليسر : أي دعاء فيه يسر . هذا تمثيل لمنع الشحيح وإعطاء المسرف وأمر بالاقتصاد الذي هو بين الإسراف والتقتير ( فتقعد ملوما ) فتصير ملوما عند الله لأن المسرف غير مرضي عنده وعند الناس ، يقول المحتاج : أعطى فلانا وحرمني ، ويقول المستغني : ما يحسن تدبير أمر المعيشة ، وعند نفسك إذا احتجت فندمت على ما فعلت ( محسورا ) منقطعا بك لا شئ عندك من حسره السفر إذا بلغ منه وحسره بالمسألة ، وعن جابر " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس أتاه صبي فقال : إن أمي تستكسيك درعا فقال : من ساعة إلى ساعة يظهر فعد إلينا ، فذهب إلى أمه ، فقالت له : قل له إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك ، فدخل دراه ونزع قميصه وأعطاه وقعد عريانا ، وأذن بلال وانتظر فلم يخرج للصلاة " ، وقيل أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وعيينة بن حصن ، فجاء عباس بن مرداس وأنشأ يقول : أتجعل نهبي ونهب العبيد * بين عيينة والأقرع وما كان حصن ولا حابس * يفوقان جدي في مجمع وما كنت دون امرئ منهما * ومن تضع اليوم لا يرفع فقال : يا أبا بكر اقطع لسانه عني ، أعطه مائة من الإبل ، فنزلت . ثم سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يرهقه من الإضاقة بأن ذلك ليس لهوان منك عليه ولا لبخل به عليك ، ولكن لأن مشيئته في بسط الأرزاق وقدرها تابعة للحكمة والمصلحة . ويجوز أن يريد أن البسط والقبض إنما هو من أمر الله الذي الخزائن في يده ، فأما العبيد فعليهم أن يقتصدوا ، ويحتمل أنه عز وعلا بسط لعباده أو قبض ، فإنه يراعي أوسط الحالين لا يبلغ بالمبسوط له غاية مراده ، ولا بالمقبوض عليه أقصى مكروهه فاستنوا بسنته . قتلهم أولادهم هو وأدهم بناتهم كانوا يئدونهن خشية الفاقة وهي الإملاق ، فنهاهم الله وضمن لهم أرزاقهم . وقرئ خشية بكسر الخاء . وقرئ خطأ وهو