وهو العزيز الحكيم . ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم
إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون . ويجعلون لله
ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم
مفرطون . تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم
اليوم ولهم عذاب أليم .
شرح
الغني عن العالمين والنزاهة عن صفات المخلوقين وهو الجواد الكريم ( بظلمهم ) بكفرهم ومعاصيهم ( ما ترك عليها )
أي على الأرض ( من دابة ) قط ولأهلكها كلها بشؤم ظلم الظالمين . وعن أبي هريرة أنه سمع رجلا يقول : إن
الظالم لا يضر إلا نفسه ، فقال بلى والله ، حتى إن الحبارى لتموت في وكرها بظلم الظالم . وعن ابن مسعود : كاد
الجعل يهلك في جحره بذنب ابن آدم ، أو من دابة ظالمة . وعن ابن عباس : من دابة من مشرك يدب عليها . وقيل
لو أهلك الآباء بكفرهم لم تكن الأبناء ( ويجعلون لله ما يكرهون ) لأنفسهم من البنات ومن شركاء في رياستهم ومن
الاستخفاف برسلهم والتهاون برسالاتهم ويجعلون له أراذل أموالهم ولأصنامهم أكرمها ( وتصف ألسنتهم ) مع ذلك
( أن لهم الحسنى ) عند الله كقوله - ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى - وعن بعضهم أنه قال لرجل من
ذوي اليسار : كيف تكون يوم القيامة إذا قال الله تعالى : هاتوا ما دفع إلى السلاطين وأعوانهم ؟ فيؤتى بالدواب
والثياب وأنواع الأموال الفاخرة ، وإذا قال هاتوا ما دفع إلي فيؤتى بالكسر والخرق وما لا يؤبه له ، أما تستحيي
من ذلك الموقف وقرأ هذه الآية . وعن مجاهد - أن لهم الحسنى - هو قول قريش لنا البنون وأن لهم الحسنى بدل من
الكذب . وقرئ الكذب جمع كذوب صفة للألسنة ( مفرطون ) قرئ مفتوح الراء مكسورها مخففا ومشددا ،
فالمفتوح بمعنى مقدمون إلى النار معجلون إليها من أفرطت فلانا فرطته في طلب الماء إذا قدمته ، وقيل منسيون
متروكون من أفرطت فلانا خلفي إذا خلفته ونسيته ، والمكسور المخفف من الإفراط في المعاصي ، والمشدد من
التفريط في الطاعات وما يلزمهم ( فهو وليهم اليوم ) حكاية الحال الماضية التي كان يزين لهم الشيطان أعمالهم فيها ،
أو فهو وليهم في الدنيا ، فجعل اليوم عبارة عن زمان الدنيا ، ومعنى وليهم : قرينهم وبئس القرين ، أو يجعل فهو
وليهم اليوم حكاية للحال الآتية وهي حال كونهم معذبين في النار : أي فهو ناصرهم اليوم لا ناصر لهم غيره ، نفيا