تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
ويفعلون ما يؤمرون * وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون . وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون . وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون . ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون . ليكفروا بما آتيناهم
شرح
يخافون ربهم عاليا لهم قاهرا كقوله - وهو القاهر فوق عباده - وإنا فوقهم قاهرون - وفيه دليل على أن الملائكة مكلفون مدارون على الأمر والنهي والوعد والوعيد كسائر المكلفين ، وأنهم بين الخوف والرجاء . فإن قلت : إنما جمعوا بين العدد والمعدود فيما وراء الواحد والاثنين فقالوا عندي رجال ثلاثة وأفراس أربعة ، لأن المعدود عار عن الدلالة على العدد الخاص ، وأما رجل ورجلان وفرس وفرسان فمعدودان فيهما دلالة على العدد فلا حاجة إلى أن يقال رجل واحد ورجلان اثنان ، فما وجه قوله ( إلهين اثنين ) ؟ قلت : الاسم الحامل لمعنى الإفراد والتثنية دال على شيئين : على الجنسية ، والعدد المخصوص ، فإذا أريدت الدلالة على أن المعني به منهما والذي يساق إليه الحديث هو العدد شفع بما يؤكده فدل به على القصد إليه والعناية به ، ألا ترى أنك لو قلت إنما هو إله ولم تؤكده بواحد لم يحسن وخيل أنك تثبت الإلهية لا الوحدانية ( فإياي فارهبون ) نقل للكلام عن الغيبة إلى التكلم ، وجاز لأن الغائب هو المتكلم وهو من طريقة الالتفات ، وهو أبلغ في الترهيب من قوله وإياه فارهبوه ، ومن أن يجئ ما قبله على لفظ المتكلم ( الدين ) الطاعة ( واصبا ) حال عمل فيه الظرف ، والواصب الواجب الثابت لأن كل نعمة منه فالطاعة واجبة له على كل منعم عليه ، ويجوز أن يكون من الوصب : أي وله الدين ذا كلفة ومشقة ، ولذلك سمي تكليفا أو وله الجزاء ثابتا دائما سرمدا لا يزول : يعني الثواب والعقاب ( وما بكم من نعمة ) وأي شئ حل بكم أو اتصل بكم من نعمة فهو من الله ( فإليه تجأرون ) فما تتضرعون إلا إليه ، والجؤار : رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة ، قال الأعشى يصف راهبا : يراوح من صلوات المليك * طورا سجودا وطورا جؤارا وقرئ تجرون بطرح الهمزة وإلقاء حركتها على الجيم . وقرأ قتادة كاشف الضر على فاعل بمعنى فعل ، وهو أقوى من كشف لأن بناء المغالبة يدل على المبالغة . فإن قلت : فما معنى قوله ( إذا فريق منكم بربهم يشركون ) ؟ قلت : يجوز أن يكون الخطاب في قوله - وما بكم من نعمة فمن الله - عاما ، ويريد بالفريق فريق الكفرة ، وأن يكون الخطاب للمشركين ، ومنكم للبيان لا للتبعيض كأنه قال : فإذا فريق كافر وهم أنتم ، ويجوز أن يكون فيهم من اعتبر كقوله - فما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد - ( ليكفروا بما آتيناهم ) من نعمة الكشف عنهم كأنهم جعلوا