تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
من شئ يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون . ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون . يخافون ربهم من فوقهم
شرح
( من شئ يتفيؤا ظلاله ) . واليمين بمعنى الأيمان ، و ( سجدا ) حال من الظلال ( وهم داخرون ) حال من الضمير في ظلاله لأنه في معنى الجمع ، وهو ما خلق الله من كل شئ له ظل ، وجمع بالواو لأن الدخور من أوصاف العقلاء أو لأن في جملة ذلك من يعقل فغلب ، والمعنى : أو لم يروا إلى ما خلق الله من الأجرام التي لها ظلال متفيئة عن أيمانها وشمائلها : أي على جانبي كل واحد منها وشقيه استعارة من يمين الإنسان وشماله لجانبي الشئ : أي ترجع الظلال من جانب إلى جانب منقادة لله غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيؤ ، والأجرام في أنفسها داخرة أيضا صاغرة منقادة لأفعال الله فيها لا تمتنع ( من دابة ) يجوز أن يكون بيانا لما في السماوات وما في الأرض جميعا ، على أن في السماوات خلقا لله يدبون فيها كما يدب الأناسي في الأرض ، وأن يكون بيانا لما في الأرض وحده ، ويراد بما في السماوات الخلق الذي يقال له الروح ، وأن يكون بيانا لما في الأرض وحده ، ويراد بما في السماوات الملائكة وكرر ذكرهم على معنى والملائكة خصوصا من بين الساجدين لأنهم أطوع الخلق وأعبدهم ، ويجوز أن يراد بما في السماوات ملائكتهن ، وبقوله والملائكة ملائكة الأرض من الحفظة وغيرهم . فإن قلت : سجود المكلفين مما انتظمه هذا الكلام خلاف سجود غيرهم ، فكيف عبر عن النوعين بلفظ واحد ؟ قلت : المراد بسجود المكلفين طاعتهم وعبادتهم ، وبسجود غيرهم انقياده لإرادة الله وأنها غير ممتنعة عليها ، وكلا السجودين يجمعهما معنى الانقياد فلم يختلفا فلذلك جاز أن يعبر عنهما بلفظ واحد . فإن قلت : فهلا جئ بمن دون ما تغليبا للعقلاء من الدواب على غيرهم ؟ قلت : لأنه لو جئ بمن لم يكن فيه دليل على التغليب فكان متناولا للعقلاء خاصة فجئ بما هو صالح للعقلاء وغيرهم إرادة العموم ( يخافون ) يجوز أن يكون حالا من الضمير في لا يستكبرون : أي لا يستكبرون خائفين ، وأن يكون بيانا لنفي الاستكبار وتأكيدا له ، لأن من خاف الله لم يستكبر عن عبادته ( من فوقهم ) إن علقته بيخافون فمعناه : يخافونه أن يرسل عليهم عذابا من فوقهم ، وإن علقته بربهم حالا منه فمعناه :
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 412 | الزمخشري