ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين . إنما قولنا
لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون . والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا
لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون . الذين صبروا
شرح
لأنهم يقولون لا يجب على الله شئ لا ثواب عامل ولا غيره من مواجب الحكمة ( ليبين لهم ) متعلق بما دل عليه
بلى : أي يبعثهم ليبين لهم ، والضمير لمن يموت وهو عام للمؤمنين والكافرين والذي اختلفوا فيه هو الحق ( وليعلم
الذين كفروا أنهم ) كذبوا في قولهم - لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شئ - وفي قولهم - لا يبعث الله من يموت -
وقيل يجوز أن يتعلق بقوله - ولقد بعثنا في كل أمة رسولا - أي بعثناه ليبين لهم ما اختلفوا فيه وأنهم كانوا على
الضلالة قبله مفترين على الله الكذب ( قولنا ) مبتدأ ، و ( أن نقول ) خبره ، و ( كن فيكون ) من كان التامة التي
بمعنى الحدوث والوجود : أي إذا أردنا وجود شئ فليس إلا أن نقول له أحدث فهو يحدث عقيب ذلك
لا يتوقف ، وهذا مثل لأن مرادا لا يمتنع عليه ، وأن وجوده عند إرادته تعالى غير متوقف كوجود المأمور به
عند أمر الآمر المطاع إذا ورد على المأمور المطيع الممتثل ، ولا قول ثم ، والمعنى : أن إيجاد كل مقدور على الله
تعالى بهذه السهولة فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو من شق المقدورات . وقرئ فيكون عطفا على نقول ( والذين
هاجروا ) هم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ظلمهم أهل مكة ففروا بدينهم إلى الله ، منهم من هاجر إلى
الحبشة ثم إلى المدينة فجمع بين الهجرتين ، ومنهم من هاجر إلى المدينة ، وقيل هم الذين كانوا محبوسين معذبين
بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكلما خرجوا تبعوهم فردوهم ، منهم بلال وصهيب وخباب وعمار .
وعن صهيب أنه قال لهم : أنا رجل كبير إن كنت معكم لم أنفعكم ، وإن كنت عليكم لم أضركم ، فافتدى منهم
بماله وهاجر ، فلما رآه أبو بكر رضي الله عنه قال له : ربح البيع يا صهيب ، وقال له عمر : نعم الرجل صهيب لو لم يخف
الله لم يعصه . وهو ثناء عظيم . يريد : لو لم يخلق الله نارا لأطاعه ، فكيف ؟ ( في الله ) في حقه ولوجهه ( حسنة )
صفة للمصدر : أي لنبوئنهم تبوئة حسنة . وفي قراءة علي رضي الله عنه لنثوينهم ومعناه إئواءة حسنة . وقيل
لننزلنهم في الدنيا منزلة حسنة ، وهي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم وعلى العرب قاطبة وعلى أهل المشرق
والمغرب . وعن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا أعطى رجلا من المهاجرين عطاء قال : خذ بارك الله لك فيه ،
هذا ما وعدك ربك في الدنيا ، وما ذكر لك في الآخرة أكثر . وقيل لنبوئنهم مباءة حسنة وهي المدينة حيث آواهم
أهلها ونصروهم ( لو كانوا يعلمون ) الضمير للكفار : أي لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المستضعفين في أيديهم
الدنيا والآخرة لرغبوا في دينهم ، ويجوز أن يرجع الضمير إلى المهاجرين : أي لو كانوا يعلمون ذلك لزادوا في
اجتهادهم وصبرهم ( الذين صبروا ) على هم الذين صبروا ، أو أعني الذين صبروا وكلاهما مدح : أي صبروا
على العذاب وعلى مفارقة الوطن الذي هو حرم الله المحبوب في كل قلب فكيف بقلوب قوم هو مسقط رؤوسهم