تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 409

مساهمون:

ص٤٠٩
ولا حرمنا من دونه من شئ كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين . ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين . إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين . وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
شرح
المجبرة بعينه ( كذلك فعل الذين من قبلهم ) أي أشركوا وحرموا حلال الله ، فلما نبهوا على قبح فعلهم وركوه على ربهم ( فهل على الرسل ) إلا أن يبلغوا الحق ، وأن الله لا يشاء الشرك والمعاصي بالبيان والبرهان ويطلعوا على بطلان الشرك وقبحه وبراءة الله تعالى من أفعال العباد وأنهم فاعلوها بقصدهم وإرادتهم واختيارهم ، والله تعالى باعثهم على جميلها وموقفهم له وزاجرهم عن قبيحها وموعدهم عليه . ولقد أمد إبطال قدر السوء ومشيئة الشر بأنه ما من أمة إلا وقد بعث فيهم رسولا يأمرهم بالخير الذي هو الإيمان وعبادة الله وباجتناب الشر الذي هو طاعة الطاغوت ( فمنهم من هدى الله ) أي لطف به لأنه عرفه من أهل اللطف ( ومنهم من حقت عليه الضلالة ) أي ثبت عليه الخذلان والترك من اللطف لأنه عرفه مصمما على الكفر لا يأتي منه خير ( فسيروا في الأرض فانظروا ) ما فعلت بالمكذبين حتى لا يبقى لكم شبهة في أني لا أقدر الشر ولا أشاؤه حيث أفعل ما أفعل بالأشرار ، ثم ذكر عناد قريش وحرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على إيمانهم وعرفه أنهم من قسم من حقت عليه الضلالة ، وأنه ( لا يهدي من يضل ) أي لا يلطف بمن يخذل لأنه عبث ، والله تعالى متعال عن العبث لأنه من قبيل القبائح التي لا تجوز عليه . وقرئ لا يهدى : أي لا تقدر أنت ولا أحد على هدايته وقد خذله الله . وقوله ( وما لهم من ناصرين ) دليل على أن المراد بالإضلال الخذلان الذي هو نقيض النصرة ، ويجوز أن يكون لا يهدى بمعنى لا يهتدي ، يقال : هداه الله فهدى . وفي قراءة أبي فإن الله لا هادي لمن يضل ولمن أضل ، وهي معاضدة لمن قرأ لا يهدى على البناء للمفعول . وفي قراءة عبد الله يهدي بإدغام تاء يهتدي وهي معاضدة للأولى . وقرئ يضل بالفتح . وقرأ النخعي إن تحرص بفتح الراء وهي لغية ( وأقسموا بالله ) معطوف على - وقال الذين أشركوا - إيذانا بأنهما كفرتان عظيمتان موصوفتان حقيقتان بأن تحكيا وتدونا توريك ذنوبهم على مشيئة الله وإنكارهم البعث مقسمين عليه ، و ( بلى ) إثبات لما بعد النفي : أي بلى يبعثهم . ووعد الله مصدر مؤكد لما دل عليه بلى لأن يبعث موعد من الله ، وبين أن الوفاء بهذا الموعد حق واجب عليه في الحكمة ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) أنهم يبعثون ، أو أنه وعد واجب على الله