مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم
وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون . ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي
الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على
الكافرين . الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من
سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون . فأدخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس
مثوى المتكبرين . وقيل للذين اتقوا ما ذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا
في هذه الدنيا حسنة
شرح
قوم بنوا بنيانا وعمدوه بالأساطين ، فأتى البنيان من الأساطين بأن ضعضعت فسقط عليهم السقف وهلكوا ، ونحوه
من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا . وقيل هو نمروذ بن كنعان حين بنى الصرح ببابل طوله خمسة آلاف ذراع ،
وقيل فرسخان فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا . ومعنى إتيان الله : إتيان أمره ( من القواعد ) من جهة
القواعد ( من حيث لا يشعرون ) من حيث لا يحتسبون ولا يتوقعون . وقرئ فأتى الله بيتهم فخر عليهم السقف
بضمتين ( يخزيهم ) يذلهم بعذاب الخزي - ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته - يعني هذا لهم في الدنيا ثم العذاب
في الآخرة ( شركائي ) على الإضافة إلى نفسه حكاية لإضافتهم ليوبخهم بها على طريق الاستهزاء بهم ( تشاقون فيهم )
تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم ومعناهم . وقرئ تشاقون بكسر النون بمعنى تشاقونني لأن مشاقة المؤمنين
كأنها مشاقة الله ( قال الذين أوتوا العلم ) هم الأنبياء والعلماء من أممهم الذين كانوا يدعونهم إلى الإيمان ويعظونهم
فلا يلتفتون إليهم ويتكبرون عليهم ويشاقونهم يقولون ذلك شماتة بهم ، وحكى الله ذلك من قولهم ليكون لطفا لمن
سمعه ، وقيل هم الملائكة . قرئ تتوفاهم بالتاء والياء وقرئ الذين توفاهم بإدغام التاء في التاء ( فألقوا السلم ) فسالموا
وأخبتوا وجاءوا بخلاف ما كانوا عليه في الدنيا من الشقاق والكبر وقالوا ( ما كنا نعمل من سوء ) وجحدوا ما وجد
منهم من الكفر والعدوان فرد عليهم أولوا العلم ( إن الله عليم بما كنتم تعملون ) فهو يجازيكم عليه وهذا أيضا من
الشماتة ، وكذلك ( فأدخلوا أبواب جهنم - خيرا ) أنزل خيرا . فإن قلت : لم نصب هذا ورفع الأول ؟ قلت :
فصلا بين جواب المقر وجواب الجاحد ، يعني أن هؤلاء لما سئلوا لم يتلعثموا وأطبقوا الجواب على السؤال بينا
مكشوفا مفعولا للإنزال فقالوا خيرا : أي أنزل خيرا ، وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا هم أساطير
الأولين وليس من الإنزال في شئ . وروي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي صلى
الله عليه وسلم ، فإذا جاء الوافد كفه المقتسمون وأمروه بالانصراف وقالوا إن لم تقله كان خيرا لك فيقول : أنا
شر وافد إن رجعت إلى قومي دون أن أستطلع أمر محمد وأراه ، فيلقى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
فيخبرونه بصدقه وأنه نبي مبعوث فهم الذين قالوا خيرا ، وقوله ( للذين أحسنوا ) وما بعده بدل من خيرا حكاية
لقول الذين اتقوا : أي قالوا هذا القول فقدم تسميته خيرا ثم حكاه ، ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ عدة للقائلين ،
ويجعل قولهم من جملة إحسانهم ويحمدوا عليه ( حسنة ) مكافأة في الدنيا بإحسانهم ولهم في الآخرة ما هو خير منها