تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون . ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين . الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون . فأدخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين . وقيل للذين اتقوا ما ذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة
شرح
قوم بنوا بنيانا وعمدوه بالأساطين ، فأتى البنيان من الأساطين بأن ضعضعت فسقط عليهم السقف وهلكوا ، ونحوه من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا . وقيل هو نمروذ بن كنعان حين بنى الصرح ببابل طوله خمسة آلاف ذراع ، وقيل فرسخان فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا . ومعنى إتيان الله : إتيان أمره ( من القواعد ) من جهة القواعد ( من حيث لا يشعرون ) من حيث لا يحتسبون ولا يتوقعون . وقرئ فأتى الله بيتهم فخر عليهم السقف بضمتين ( يخزيهم ) يذلهم بعذاب الخزي - ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته - يعني هذا لهم في الدنيا ثم العذاب في الآخرة ( شركائي ) على الإضافة إلى نفسه حكاية لإضافتهم ليوبخهم بها على طريق الاستهزاء بهم ( تشاقون فيهم ) تعادون وتخاصمون المؤمنين في شأنهم ومعناهم . وقرئ تشاقون بكسر النون بمعنى تشاقونني لأن مشاقة المؤمنين كأنها مشاقة الله ( قال الذين أوتوا العلم ) هم الأنبياء والعلماء من أممهم الذين كانوا يدعونهم إلى الإيمان ويعظونهم فلا يلتفتون إليهم ويتكبرون عليهم ويشاقونهم يقولون ذلك شماتة بهم ، وحكى الله ذلك من قولهم ليكون لطفا لمن سمعه ، وقيل هم الملائكة . قرئ تتوفاهم بالتاء والياء وقرئ الذين توفاهم بإدغام التاء في التاء ( فألقوا السلم ) فسالموا وأخبتوا وجاءوا بخلاف ما كانوا عليه في الدنيا من الشقاق والكبر وقالوا ( ما كنا نعمل من سوء ) وجحدوا ما وجد منهم من الكفر والعدوان فرد عليهم أولوا العلم ( إن الله عليم بما كنتم تعملون ) فهو يجازيكم عليه وهذا أيضا من الشماتة ، وكذلك ( فأدخلوا أبواب جهنم - خيرا ) أنزل خيرا . فإن قلت : لم نصب هذا ورفع الأول ؟ قلت : فصلا بين جواب المقر وجواب الجاحد ، يعني أن هؤلاء لما سئلوا لم يتلعثموا وأطبقوا الجواب على السؤال بينا مكشوفا مفعولا للإنزال فقالوا خيرا : أي أنزل خيرا ، وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا هم أساطير الأولين وليس من الإنزال في شئ . وروي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا جاء الوافد كفه المقتسمون وأمروه بالانصراف وقالوا إن لم تقله كان خيرا لك فيقول : أنا شر وافد إن رجعت إلى قومي دون أن أستطلع أمر محمد وأراه ، فيلقى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبرونه بصدقه وأنه نبي مبعوث فهم الذين قالوا خيرا ، وقوله ( للذين أحسنوا ) وما بعده بدل من خيرا حكاية لقول الذين اتقوا : أي قالوا هذا القول فقدم تسميته خيرا ثم حكاه ، ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ عدة للقائلين ، ويجعل قولهم من جملة إحسانهم ويحمدوا عليه ( حسنة ) مكافأة في الدنيا بإحسانهم ولهم في الآخرة ما هو خير منها