وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم . ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون .
وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون . لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت
من الصادقين . ما تنزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا منظرين .
شرح
يخليهم وشأنهم ولا يشتغل بما لا طائل تحته ، وأن يبالغ في تخليتهم حتى يأمرهم بما لا يزيدهم إلا ندما في العاقبة ،
وفيه إلزام للحجة ومبالغة في الإنذار وإعذار فيه ، وفيه تنبيه على أن إيثار التلذذ والتنعم وما يؤدي إليه طول الأمل
وهذه هجيري أكثر الناس ليس من أخلاق المؤمنين . وعن بعضهم : التمرغ في الدنيا من أخلاق الهالكين ( ولها
كتاب ) جملة واقعة صفة لقرية والقياس لا يتوسط الواو بينهما كما في قوله تعالى - وما أهلكنا من قرية إلا لها
منذرون - وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف كما يقال في الحال : جاءني زيد عليه ثوب ، وجاءني
وعليه ثوب . كتاب ( معلوم ) مكتوب معلوم ، وهو أجلها الذي كتب في اللوح وبين ، ألا ترى إلى قوله
( ما تسبق من أمة أجلها ) في موضع كتابها وأنث الأمة أولا ثم ذكرها آخرا حملا على اللفظ والمعنى ، وقال ( وما
يستأخرون ) بحذف عنه لأنه معلوم . قرأ الأعمش يا أيها الذي ألقي عليه الذكر ، وكأن هذا النداء منهم على وجه
الاستهزاء كما قال فرعون - إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون - وكيف يقرون بنزول الذكر عليه وينسبونه إلى
الجنون والتعكيس في كلامهم للاستهزاء والتهكم مذهب واسع ، وقد جاء في كتاب الله في مواضع منها - فبشرهم
بعذاب أليم - إنك لأنت الحليم الرشيد - وقد يوجد كثير في كلام العجم . والمعنى : إنك لتقول قول المجانين حين
تدعي أن الله نزل عليك الذكر . لو ركبت مع لا وما لمعنيين : معنى امتناع الشئ لوجود غيره ومعنى التحضيض
وأما هل فلم تركب إلا مع لا وحدها للتحضيض ، قال ابن مقبل :
لوما الحياء ولوما الدين عبتكما * ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري
والمعنى : هلا تأتينا بالملائكة يشهدون بصدقك ويعضدونك على إنذارك ، كقوله تعالى - لولا أنزل إليك ملك
فيكون معه نذيرا - أو هلا تأتينا بالملائكة للعقاب على تكذيبنا لك إن كنت صادقا ، كما كانت تأتي الأمم المكذبة
برسلها . قرئ تنزل بمعنى تتنزل . وتنزل على البناء للمفعول من نزل وننزل الملائكة بالنون ونصب الملائكة ( إلا
بالحق ) إلا تنزلا متلبسا بالحكمة والمصلحة ، ولا حكمة في أن تأتيكم عيانا تشاهدونهم ويشهدون لكم بصدق النبي
صلى الله عليه وسلم ، لأنكم حينئذ مصدقون عن اضطرار ، ومثله قوله تعالى - وما خلقنا السماوات والأرض وما
بينهما إلا بالحق - . وقيل الحق : الوحي أو العذاب ، و ( إذا ) جواب وجزاء لأنه جواب لهم ، وجزاء لشرط
مقدر تقديره : ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين وما أخر عذابهم ( إنا نحن نزلنا الذكر ) رد لإنكارهم واستهزائهم
في قولهم - يا أيها الذي نزل عليه الذكر - ولذلك قال إنا نحن ، فأكد عليهم أنه هو المنزل على القطع والبتات ، وأنه
هو الذي بعث به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم وبين يديه ومن خلفه رصد حتى نزل وبلغ محفوظا من
الشياطين ، وهو حافظه في كل وقت من كل زيادة ونقصان وتحريف وتبديل ، بخلاف الكتب المتقدمة فإنه
لم يتول حفظها ، وإنما استحفظها الربانيين والأحبار فاختلفوا فيما بينهم بغيا ، فكان التحريف ولم يكل القرآن إلى
غير حفظه . فإن قلت : فحين كان قوله - إنا نحن نزلنا الذكر - رد لإنكارهم واستهزائهم فكيف اتصل بقوله