اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار . يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في
الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء * ألم تر إلى الذين
بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار . جهنم يصلونها وبئس القرار .
شرح
وقيل كل كلمة قبيحة ، وأما الشجرة الخبيثة فكل شجرة لا يطيب ثمرها كشجرة الحنظل والكشوث ونحو ذلك ،
وقوله ( اجتثت من فوق الأرض ) في مقابلة قوله أصلها ثابت ، ومعنى اجتثت استؤصلت ، وحقيقة الاجتثاث
أخذ الجثة كلها ( ما لها من قرار ) أي استقرار ، يقال قر الشئ قرارا كقولك ثبت ثباتا ، شبه بها القول الذي لم
يعضد بحجة فهو داحض غير ثابت ، والذي لا يبقى إنما يضمحل عن قريب لبطلانه من قولهم الباطل لجلج . وعن
قتادة أنه قيل لبعض العلماء : ما تقول في كلمة خبيثة ؟ فقال : ما أعلم لها في الأرض مستقرا ولا في السماء مصعدا
إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافي بها القيامة ( بالقول الثابت ) الذي ثبت بالحجة والبرهان في قلب صاحبه وتمكن
فيه فاعتقده واطمأنت إليه نفسه ، وتثبيتهم به في الدنيا أنهم إذا فتنوا في دينهم لم يزلوا كما ثبت الذين فتنهم أصحاب
الأخدود والذين نشروا بالمناشير ومشطت لحومهم بأمشاط الحديد ، وكما ثبت جرجيس وشمسون وغيرهما ،
وتثبيتهم في الآخرة أنهم إذا سئلوا عند تواقف الأشهاد عن معتقدهم ودينهم لم يتلعثموا ولم يبهتوا ولم تحيرهم أهوال
الحشر . وقيل معناه : الثبات عند سؤال القبر . وعن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم ذكر قبض روح المؤمن فقال : ثم يعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه في قبره ويقولان له : من
ربك وما دينك وما نبيك ؟ فيقول : ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد ، فينادي مناد من السماء أن صدق
عبدي ، فلذلك قوله - يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت - ( ويضل الله الظالمين ) الذين لم يتمسكوا بحجة في
دينهم وإنما اقتصروا على تقليد كبارهم وشيوخهم كما قلد المشركون آباءهم فقالوا : إنا وجدنا آباءنا على أمة ،
وإضلالهم في الدنيا أنهم لا يثبتون في مواقف الفتن وتزل أقدامهم أول شئ وهم في الآخرة أضل وأزل ( ويفعل
الله ما يشاء ) أي ما توجبه الحكمة لأن مشيئة الله تابعة للحكمة من تثبيت المؤمنين وتأييدهم وعصمتهم عند ثباتهم
وعزمهم ، ومن إضلال الظالمين وخذلانهم والتخلية بينهم وبين شأنهم عند زللهم ( بدلوا نعمت الله ) أي شكر نعمة
الله ( كفرا ) لأن شكرها الذي وجب عليهم وضعوا مكانه كفرا ، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر وبدلوه تبديلا
ونحوه - وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون - أي شكر رزقكم حيث وضعتم التكذيب موضعه ، ووجه آخر وهو
أنهم بدلوا نفس النعمة كفرا ، على أنهم لما كفروها سلبوها فبقوا مسلوبي النعمة موصوفين بالكفر حاصلا لهم
الكفر بدل النعمة ، وهم أهل مكة أسكنهم الله حرمه وجعلهم قوام بيته وأكرمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم
فكفروا نعمة الله بدل ما لزمهم من الشكر العظيم ، أو أصابهم الله بالنعمة في الرخاء والسعة لإيلافهم الرحلتين
فكفروا نعمته ، فضربهم بالقحط سبع سنين ، فحصل لهم الكفر بدل النعمة ، وكذلك حين أسروا وقتلوا يوم
بدر قد ذهبت عنهم النعمة وبقي الكفر طوقا في أعناقهم . وعن عمر رضي الله عنه " هم الأفجران من قريش بنو
المغيرة وبنو أمية ، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر ، وأما بنو أمية فمنعوا حتى حين " وقيل هم متنصرة العرب
جبلة بن الأيهم وأصحابه ( وأحلوا قومهم ) ممن تابعهم على الكفر ( دار البوار ) دار الهلاك . وعطف ( جهنم ) على