الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها
سلام . ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها
في السماء . تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم
يتذكرون . ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة
شرح
إبليس ( بإذن ربهم ) متعلق بأدخل : أي أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره . فإن قلت : فبم يتعلق في القراءة
الأخرى وقولك وأدخلهم أنا بإذن ربهم كلام غير ملتئم ؟ قلت : الوجه في هذه القراءة أن يتعلق قوله - بإذن
ربهم - بما بعده : أي ( تحيتهم فيها سلام ) بإذن ربهم : يعني أن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم . قرئ ( ألم تر )
ساكنة الراء كما قرئ من يتق وفيه ضعف ( ضرب الله مثلا ) اعتمد مثلا ووضعه ، و ( كلمة طيبة ) نصب
بمضمر : أي جعل كلمة طبية ( كشجرة طيبة ) وهو تفسير لقوله - ضرب الله مثلا - كقولك : شرف الأمير زيدا
كساه حلة وحمله على فرس ، ويجوز أن ينتصب مثلا وكلمة بضرب : أي ضرب كلمة طيبة مثلا بمعنى جعلها
مثلا ، ثم قال - كشجرة طيبة - على أنها خبر مبتدأ محذوف بمعنى هي كشجرة طيبة ( أصلها ثابت ) يعني في
الأرض ضارب بعروقه فيها ( وفرعها ) وأعلاها ورأسها ( في السماء ) ويجوز أن يريد فروعها على الاكتفاء بلفظ
الجنس ، وقرأ أنس بن مالك كشجرة طيبة ثابت أصلها . فإن قلت : أي فرق بين القراءتين ؟ قلت : قراءة الجماعة
أقوى معنى ، لأن في قراءة أنس أجريت الصفة على الشجرة ، وإذا قلت مررت برجل أبوه قائم فهو أقوى معنى
من قولك مررت برجل قائم أبوه ، لأن المخبر عنه إنما هو الأب لا رجل . والكلمة الطيبة كلمة التوحيد ، وقيل
كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة ، وعن ابن عباس : شهادة أن لا إله إلا الله .
وأما الشجرة فكل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان وغير ذلك . وعن ابن عمر " أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم : " إن الله ضرب مثل المؤمن شجرة فأخبروني ما هي ؟ فوقع الناس في
شجر البوادي وكنت صبيا ، فوقع في قلبي أنها النخلة ، فهبت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقولها وأنا أصغر
القوم ، وروي : فمنعني مكان عمر واستحييت ، فقال لي عمر : يا بني لو كنت قلتها لكانت أحب إلي من حمر
النعم ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا إنها النخلة " وعن ابن عباس رضي الله عنهما : شجرة في الجنة .
وقوله في السماء معناه : في جهة العلو والصعود ، ولم يرد المظلة كقولك في الجبل : طويل في السماء ، تريد ارتفاعه
وشموخه ( تؤتي أكلها كل حين ) تعطي ثمرها كل وقت وقته الله لإثمارها ( بإذن ربها ) بتيسير خالقها وتكوينه
( لعلهم يتذكرون ) لأن في ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكير وتصوير للمعاني ( كشجرة خبيثة ) كمثل شجرة
خبيثة : أي صفتها كصفتها . وقرئ ومثل كلمة بالنصب عطفا على كلمة طيبة ، والكلمة الخبيثة كلمة الشرك .