وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من
الله من ولي ولا واق . ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما
كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب . يمحو الله ما يشاء
ويثبت وعنده أم الكتاب . وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما
عليك البلاغ وعلينا الحساب . أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها
والله يحكم
شرح
وأنتم تقولون مثل ذلك فلا معنى لإنكاركم ( وكذلك أنزلناه ) ومثل ذلك الإنزال أنزلناه مأمورا فيه بعبادة الله
وتوحيده والدعوة إليه وإلى دينه والإنذار بدل الجزاء ( حكما عربيا ) حكمة عربية مترجمة بلسان العرب وانتصابه
على الحال . كانوا يدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمور يوافقهم عليها : منها أن يصلي إلى قبلتهم بعد
ما حوله الله عنها ، فقيل له : لئن تابعتهم على دين ما هو إلا أهواء وشبه بعد ثبوت العلم عندك بالبراهين والحجج
القاطعة ، خذلك الله فلا ينصرك ناصر وأهلكك فلا يقيك منه واق . وهذا من باب الإلهاب والتهييج والبعث
للسامعين على الثبات في الدين والتصلب فيه ، وأن لا يزل زال عند الشبهة بعد استمساكه بالحجة ، وإلا فكان
رسول الله صلى الله عليه وسلم من شدة الشكيمة بمكان كانوا يعيبونه بالزواج والولاد كما كانوا يقولون - ما لهذا
الرسول يأكل الطعام - وكانوا يقترحون عليه الآيات وينكرون النسخ ، فقيل : كان الرسل قبله بشرا مثله ذوي
أزواج وذرية ، وما كان لهم أن يأتوا بآيات برأيهم ولا يأتون بما يقترح عليهم . والشرائع مصالح تختلف باختلاف
الأحوال والأوقات ، فلكل وقت حكم يكتب على العباد : أي يفرض عليهم على ما يقتضيه استصلاحهم ( يمحو
الله ما يشاء ) ينسخ ما يستصوب نسخه ويثبت بدله ما يرى المصلحة في إثباته أو يتركه غير منسوخ . وقيل يمحو من
ديوان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة ، لأنهم مأمورون بكتبة كل قول وفعل ( ويثبت ) غيره ، وقيل يمحو كفر
التائبين ومعاصيهم بالتوبة ويثبت إيمانهم وطاعتهم ، وقيل يمحو بعض الخلائق ويثبت بعضا من الأناسي وسائر
الحيوان والنبات والأشجار وصفاتها وأحوالها والكلام في نحو هذا واسع المجال ( وعنده أم الكتاب ) أصل كل
كتاب وهو اللوح المحفوظ لأن كل كائن مكتوب فيه . وقرئ ويثبت ( وإن ما نرينك ) وكيفما دارت الحال أريناك
مصارعهم وما وعدناهم من إنزال العذاب عليهم أو توفيناك قبل ذلك ، فما يجب عليك إلا تبليغ الرسالة فحسب ،
وعلينا لا عليك حسابهم وجزاؤهم على أعمالهم ، فلا يهمنك إعراضهم ولا تستعجل بعذابهم ( أو لم يروا أنا نأتي
الأرض ) أرض الكفر ( ننقصها من أطرافها ) بما نفتح على المسلمين من بلادهم فننقص دار الحرب ونزيد في دار
الإسلام وذلك من آيات النصرة والغلبة ، ونحوه - أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون -
- سنريهم آياتنا في الآفاق - والمعنى : عليك بالبلاغ الذي حملته ولا تهتم بما وراء ذلك ، فنحن نكفيكه ونتم
ما وعدناك من الظفر ، ولا يضجرك تأخره فإن ذلك لما نعلم من المصالح التي لا تعلمها ، ثم طيب نفسه ونفس عنها