الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ،
أولئك في ضلال بعيد . وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم
شرح
هنالك ثبورا - ( الذين يستحبون ) مبتدأ خبره أولئك في ضلال بعيد ، ويجوز أن يكون مجرورا صفة للكافرين
ومنصوبا على الذم ، أو مرفوعا على أعني الذين يستحبون أو هم الذين يستحبون . والاستحباب الإيثار والاختيار
وهو استفعال من المحبة ، لأن المؤثر للشئ على غيره كأنه يطلب من نفسه أن يكون أحب إليها وأفضل عندها من
الآخرة . وقرأ الحسن ويصدون بضم الياء وكسر الصاد ، يقال صده عن كذا وأصده قال :
* أناس أصدوا الناس بالسيف عنهم * والهمزة فيه داخلة على صد صدودا لتنقله من غير التعدي إلى التعدي ،
وأما صده فموضوع على التعدية كمنعه ، وليست بفصيحة كأوقفه لأن الفصحاء استغنوا بصدده ووقفه عن
تكلف التعدية بالهمزة ( ويبغونها عوجا ) ويطلبون لسبيل الله زيغا واعوجاجا ، وأن يدلوا الناس على أنها سبيل ناكبة
عن الحق غير مستوية ، والأصل ويبغون لها ، فحذف الجار وأوصل الفعل ( في ضلال بعيد ) أي ضلوا عن طريق
الحق ووقفوا دونه بمراحل . فإن قلت : فما معنى وصف الضلال بالبعد ؟ قلت : هو من الإسناد المجازي ، والبعد
في الحقيقة للضال لأنه هو الذي يتباعد عن الطريق ، فوصف به فعله كما تقول جد جده ، ويجوز أن يراد في ضلال
ذي بعد أو فيه بعد ، لأن الضال قد يضل عن الطريق مكانا قريبا وبعيدا ( إلا بلسان قومه ليبين لهم ) أي ليفقهوا
عنه ما يدعوهم إليه فلا يكون لهم حجة على الله ، ولا يقولوا لم نفهم ما خوطبنا به كما قال - ولو جعلناه قرآنا أعجميا
لقالوا لولا فصلت آياته - . فإن قلت : لم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العرب وحدهم وإنما بعث إلى
الناس جميعا - قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا - بل إلى الثقلين وهم على ألسنة مختلفة ، فإن لم تكن للعرب
حجة فلغيرهم الحجة ، وإن لم تكن لغيرهم حجة فلو نزل بالعجمية لم تكن للعرب حجة أيضا . قلت : لا يخلو إما
أن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها ، فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفي
التطويل ، فبقي أن ينزل بلسان واحد ، فكان أولى الألسنة لسان قوم الرسول لأنهم أقرب إليه ، فإذا فهموا عنه
وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر قامت التراجم ببيانه وتفهيمه ، كما ترى الحال وتشاهدها من نيابة التراجم في كل أمة
من أمم العجم ، مع ما في ذلك من اتفاق أهل البلاد المتباعدة والأقطار المتنازحة والأمم المختلفة والأجيال المتفاوتة