تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون . ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء ، لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون .
شرح
النضر بن الحرث والمستهزئون ( ولو ترى ) جوابه محذوف : أي لرأيت أمرا عظيما ( إذ الظالمون ) يريد الذين ذكرهم من اليهود والمتنبئة فتكون اللام للعهد ، ويجوز أن تكون للجنس فيدخل فيه هؤلاء لاشتماله . وغمرات الموت : شدائده وسكراته ، وأصل الغمرة ما يغمر من الماء فاستعيرت للشدة الغالبة ( باسطوا أيديهم ) يبسطون إليهم أيديهم يقولون هاتوا أرواحكم أخرجوها إلينا من أجسادكم ، وهذه عبارة عن العنف في السياق والإلحاح والتشديد في الإزهاق من غير تنفيس وإمهال ، وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم المسلط يبسط يده إلى من عليه الحق ويعنف عليه في المطالبة ولا يمهله ويقول له : اخرج إلي ما لي عليك الساعة ، ولا أريم مكاني حتى أنزعه من أحداقك . وقيل معناه باسطوا أيديهم عليهم بالعذاب ( أخرجوا أنفسكم ) خلصوها من أيدينا : أي لا تقدرون على الخلاص ( اليوم تجزون ) يجوز أن يريدوا وقت الإماتة وما يعذبون به من شدة النزع ، وأن يريدوا الوقت الممتد المتطاول الذي يلحقهم فيه العذاب في البرزخ والقيامة . والهون : الهوان الشديد ، وإضافة العذاب إليه كقولك رجل سوء : يريد العراقة في الهوان والتمكن فيه ( عن آياته تستكبرون ) فلا تؤمنون بها ( فرادى ) منفردين عن أموالكم وأولادكم وما حرصتم عليه وآثرتموه من دنياكم وعن أوثانكم التي زعمتم أنها شفعاؤكم وشركاء لله ( كما خلقناكم أول مرة ) على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد ( وتركتم ما خولناكم ) ما تفضلنا به عليكم في الدنيا فشغلتم به عن الآخرة ( وراء ظهوركم ) لم ينفعكم ولم تحتملوا منه نقيرا ولا قدمتموه لأنفسكم ( فيكم شركاء ) في استعبادكم ، لأنهم حين دعوهم آلهة وعبدوها فقد جعلوها لله شركاء فيهم وفي استعبادهم . وقرئ فرادى بالتنوين وفراد مثل ثلاث وفردى نحو سكرى . فإن قلت : كما خلقناكم في أي محل هو ؟ قلت : في محل النصب صفة لمصدر جئتمونا : أي مجيئا مثل خلقنا لكم ( تقطع بينكم ) وقع التقطع بينكم كما تقول جمع بين الشيئين تريد أوقع الجمع بينهما على إسناد الفعل إلى مصدره بهذا التأويل ، ومن رفع فقد أسند الفعل إلى الظرف كما تقول : قوتل خلفكم وأمامكم . وفي قراءة
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 36 | الزمخشري