وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شئ ، قل من أنزل الكتاب
الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا
شرح
وكل من آمن به ، وقيل كل مؤمن من بني آدم ، وقيل الملائكة . وادعى الأنصار أنها لهم . وعن مجاهد : هم الفرس
ومعنى توكيلهم بها أنهم وفقوا للإيمان بها والقيام بحقوقها كما يوكل الرجل بالشئ ليقوم به ويتعهده ويحافظ
عليه ، والباء في بها صلة كافرين ، وفي بكافرين تأكيد النفي . فبهداهم اقتده فاختص هداهم بالاقتداء ولا تقتد إلا
بهم ، وهذا معنى تقديم المفعول ، والمراد بهداهم طريقتهم في الايمان بالله وتوحيده وأصول الدين دون الشرائع
فإنها مختلفة ، وهي هدى ما لم تنسخ فإذا نسخت لم تبق هدى ، بخلاف أصول الدين فإنها هدى أبدا ، والهاء في اقتده
للوقف تسقط في الدرج ، واستحسن إيثار الوقف لثبات الهاء في المصحف ( وما قدروا الله حق قدره ) وما عرفوه
حق معرفته في الرحمة على عباده واللطف بهم حين أنكروا بعثة الرسل والوحي إليهم وذلك من أعظم رحمته وأجل
نعمته - وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين - ، أو ما عرفوه حق معرفته في سخطه على الكافرين وشدة بطشه بهم ولم يخافوه
حين جسروا على تلك المقالة العظيمة من إنكار النبوة . والقائلون هم اليهود بدليل قراءة من قرأ تجعلونه بالتاء وكذلك
تبدونها وتخفون ، وإنما قالوا ذلك مبالغة في إنكار إنزال القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فألزموا ما لا بد
لهم من الإقرار به من إنزال التوراة على موسى عليه السلام ، وأدرج تحت الإلزام توبيخهم ، وإن نعى عليهم سوء
جهلهم لكتابهم وتحريفهم وإبداء بعض وإخفاء بعض فقيل ( جاء به موسى ) وهو نور وهدى للناس حتى
غيروه ونقصوه وجعلوه قراطيس مقطعة وورقات مفرقة ليتمكنوا مما راموا من الابداء والإخفاء . وروى " أن مالك
ابن الصيف من أحبار اليهود ورؤسائهم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنشدك بالذي أنزل التوراة على
موسى هل تجد فيها إن الله يبغض الحبر السمين ؟ فأنت الحبر السمين قد سمنت من مالك الذي يطعمك اليهود ،
فضحك القوم فغضب ثم التفت إلى عمر فقال : ما أنزل الله على بشر من شئ فقال له قومه ويلك ما هذا الذي
بلغنا عنك قال إنه أغضبني ، فنزعوه وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف " . وقيل القائلون قريش وقد ألزموا إنزال
التوراة لأنهم كانوا يسمعون من اليهود بالمدينة ذكر موسى والتوراة وكانوا يقولون : لو أنا أنزل علينا الكتاب