وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون . وهذا كتاب
أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها ، والذين يؤمنون
بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون . ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا
أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شئ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ،
شرح
لكنا أهدى منهم ( وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ) الخطاب لليهود : أي علمتم على لسان محمد صلى الله عليه
وسلم مما أوحى إليه ما لم تعلموا أنتم وأنتم حملة التوراة ، ولم تعلمه آباؤكم الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم - إن هذا
القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون - وقيل الخطاب لمن آمن من قريش كقوله تعالى - لتنذر
قوما ما أنذر آباؤهم - ( قل الله ) أي أنزله الله ، فإنهم لا يقدرون أن يناكروك ( ثم ذرهم في خوضهم ) في باطلهم
الذي يخوضون فيه ولا عليك بعد إلزام الحجة . ويقال لمن كان في عمل لا يجدي عليه إنما أنت لاعب ، و ( يلعبون )
حال من ذرهم أو من خوضهم ، ويجوز أن يكون في خوضهم حالا من يلعبون وأن يكون صلة لهم أو لذرهم
( مبارك ) كثير المنافع والفوائد ( ولتنذر ) معطوف على ما دل عليه صفة الكتاب ، كأنه قيل : أنزلناه للبركات
وتصديق ما تقدمه من الكتب والإنذار . وقرئ ولينذر بالياء والتاء . سميت مكة ( أم القرى ) لأنها مكان أول
بيت وضع للناس ولأنها قبلة أهل القرى كلها ومحجهم ولأنها أعظم القرى شأنا ، ولبعض المجاورين :
فمن يلق في بعض القريات رحله * فأم القرى ملقى رحالي ومنتابي
( والذين يؤمنون بالآخرة ) يصدقون بالعاقبة ويخافونها ( يؤمنون ) بهذا الكتاب وذلك أن أصل الدين خوف
العاقبة ، فمن خافها لم يزل به الخوف حتى يؤمن . وخص الصلاة لأنها عماد الدين ، ومن حافظ عليها كانت لطفا
في المحافظة على أخواتها ( افترى على الله كذبا ) فزعم أن الله بعثه نبيا ( أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شئ ) وهو
مسيلمة الحنفي الكذاب أو كذاب صنعاء الأسود العنسي . وعن النبي صلى الله عليه وسلم " رأيت فيما يرى النائم
كأن في يدي سوارين من ذهب فكبرا علي وأهماني ، فأوحى الله إلي أن انفخهما فنفختهما فطارا عني ، فأولتهما
الكذابين اللذين أنا بينهما كذاب اليمامة مسيلمة وكذاب صنعاء الأسود العنسي " ( ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ) هو
عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي ، كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان إذا أملى عليه سميعا
عليما كتب هو عليما حكيما ، وإذا قال عليما حكيما كتب غفورا رحيما ، فلما نزلت " ولقد خلقنا الانسان من سلالة
من طين " إلى آخر الآية عجب عبد الله من تفصيل خلق الانسان فقال : تبارك الله أحسن الخالقين ، فقال عليه
الصلاة والسلام : اكتبها فكذلك نزلت ، فشك عبد الله وقال : لئن كان محمد صادقا لقد أوحي إلي مثل ما أوحي
إليه ، ولئن كان كاذبا فلقد قلت كما قال ، فارتد عن الاسلام ولحق بمكة ثم رجع مسلما قبل فتح مكة . وقيل هو