تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون . حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجى من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين . لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب
شرح
القرى ) لأنهم أعلم وأحلم وأهل البوادي فيهم الجهل والجفاء والقسوة ( ولدار الآخرة ) ولدار الساعة أو الحال الآخرة ( خير للذين اتقوا ) للذين خافوا الله فلم يشركوا به ولم يعصوه . وقرى أفلا تعقلون بالتاء والياء ( حتى ) متعلقة بمحذوف دل عليه الكلام كأنه قيل : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا فتراخى نصرهم حتى إذا استيأسوا عن النصر ( وظنوا أنهم قد كذبوا ) أي كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم ينصرون ، أو رجاؤهم لقولهم رجاء صادق ورجاء كاذب ، والمعنى : أن مدة التكذيب والعداوة من الكفار وانتظار النصر من الله وتأميلة قد تطاولت عليهم وتمادت حتى استشعروا القنوط وتوهموا أن لا نصر لهم في الدنيا ، فجاءهم نصرنا فجأة من غير احتساب . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : وظنوا حين ضعفوا وغلبوا أنهم قد أخلفوا ما وعدهم الله من النصر وقال كانوا بشرا ، وتلا قوله - وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله - فإن صح هذا عن ابن عباس فقد أراد بالظن ما يخطر بالبال ويهجس في القلب من شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه البشرية ، وأما الظن الذي هو ترجح أحد الجائزين على الآخر فغير جائز على رجل من المسلمين ، فما بال رسل الله الذين هم أعرف الناس بربهم ، وأنه متعال عن خلف الميعاد منزه عن كل قبيح . وقيل وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا : أي أخلفوا ، أو ظن المرسل إليهم أنهم كذبوا من جهة الرسل : أي كذبتهم الرسل في أنهم ينصرون عليهم ولم يصدقوهم فيه . وقرئ كذبوا بالتشديد على وظن الرسل أنهم قد كذبتهم قومهم فيما وعدوهم من العذاب والنصرة عليهم . وقرأ مجاهد كذبوا بالتخفيف على البناء للفاعل على وظن الرسل أنهم قد كذبوا فيما حدثوا به قومهم من النصرة ، إما على تأويل ابن عباس ، وإما على أن قومهم إذا لم يروا لموعدهم أثرا قالوا لهم إنكم قد كذبتمونا فيكونون كاذبين عند قومهم ، أو وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا ، ولو قرئ بهذا مشددا لكان معناه : وظن الرسل أن قومهم كذبوهم في موعدهم . وقرئ فننجى بالتخفيف والتشديد من أنجاه ونجاه وفنجى على لفظ الماضي المبنى للمفعول . وقرأ ابن محيصن فنجا . والمراد ب‍ ( من نشاء ) المؤمنون لأنهم الذين يستأهلون أن يشاء نجاتهم ، وقد بين ذلك بقوله ( ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ) . الضمير في ( قصصهم ) للرسل ، وينصره قراءة