القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار
الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون . حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد
كذبوا جاءهم نصرنا فنجى من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين . لقد
كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب
شرح
القرى ) لأنهم أعلم وأحلم وأهل البوادي فيهم الجهل والجفاء والقسوة ( ولدار الآخرة ) ولدار الساعة أو الحال
الآخرة ( خير للذين اتقوا ) للذين خافوا الله فلم يشركوا به ولم يعصوه . وقرى أفلا تعقلون بالتاء والياء ( حتى )
متعلقة بمحذوف دل عليه الكلام كأنه قيل : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا فتراخى نصرهم حتى إذا استيأسوا عن
النصر ( وظنوا أنهم قد كذبوا ) أي كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم ينصرون ، أو رجاؤهم لقولهم رجاء
صادق ورجاء كاذب ، والمعنى : أن مدة التكذيب والعداوة من الكفار وانتظار النصر من الله وتأميلة قد تطاولت
عليهم وتمادت حتى استشعروا القنوط وتوهموا أن لا نصر لهم في الدنيا ، فجاءهم نصرنا فجأة من غير احتساب .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما : وظنوا حين ضعفوا وغلبوا أنهم قد أخلفوا ما وعدهم الله من النصر وقال كانوا
بشرا ، وتلا قوله - وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله - فإن صح هذا عن ابن عباس فقد
أراد بالظن ما يخطر بالبال ويهجس في القلب من شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه البشرية ، وأما الظن
الذي هو ترجح أحد الجائزين على الآخر فغير جائز على رجل من المسلمين ، فما بال رسل الله الذين هم أعرف
الناس بربهم ، وأنه متعال عن خلف الميعاد منزه عن كل قبيح . وقيل وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا :
أي أخلفوا ، أو ظن المرسل إليهم أنهم كذبوا من جهة الرسل : أي كذبتهم الرسل في أنهم ينصرون عليهم ولم
يصدقوهم فيه . وقرئ كذبوا بالتشديد على وظن الرسل أنهم قد كذبتهم قومهم فيما وعدوهم من العذاب والنصرة
عليهم . وقرأ مجاهد كذبوا بالتخفيف على البناء للفاعل على وظن الرسل أنهم قد كذبوا فيما حدثوا به قومهم من
النصرة ، إما على تأويل ابن عباس ، وإما على أن قومهم إذا لم يروا لموعدهم أثرا قالوا لهم إنكم قد كذبتمونا
فيكونون كاذبين عند قومهم ، أو وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا ، ولو قرئ بهذا مشددا لكان معناه :
وظن الرسل أن قومهم كذبوهم في موعدهم . وقرئ فننجى بالتخفيف والتشديد من أنجاه ونجاه وفنجى على لفظ
الماضي المبنى للمفعول . وقرأ ابن محيصن فنجا . والمراد ب ( من نشاء ) المؤمنون لأنهم الذين يستأهلون أن يشاء
نجاتهم ، وقد بين ذلك بقوله ( ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ) . الضمير في ( قصصهم ) للرسل ، وينصره قراءة