لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم . رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من
تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني
مسلما وألحقني بالصالحين . ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم
إذ أجمعوا أمرهم
شرح
نخسه ( لطيف لما يشاء ) لطيف التدبير لأجله رفيق حتى يجئ على وجه الحكمة والصواب . وروى أن يوسف
أخذ بيد يعقوب فطاف به في خزائنه ، فأدخله خزائن الورق والذهب وخزائن الحلى وخزائن الثياب وخزائن
السلاح وغير ذلك ، فلما أدخله خزانة القراطيس قال : يا بني ما أعقك ، عندك هذه القراطيس وما كتبت إلى علي
ثمان مراحل ؟ قال : أمرني جبريل ، قال : أو ما تسأله ؟ قال : أنت أبسط إليه منى فسله ، قال جبريل عليه السلام
الله تعالى أمرني بذلك لقولك - وأخاف أن يأكله الذئب - قال : فهلا خفتني . وروى أن يعقوب أقام معه أربعا
وعشرين سنة ثم مات ، وأوصى أن يدفنه بالشام إلى جنب أبيه إسحاق ، فمضى بنفسه ودفنه ثمة ، ثم عاد إلى مصر
وعاش بعد أبيه ثلاثا وعشرين سنة ، فلما تم أمره وعلم أنه لا يدوم له طلبت نفسه الملك الدائم الخالد فتاقت نفسه
إليه فتمنى الموت . وقيل ما تمناه نبي قبله ولا بعده ، فتوفاه الله طيبا طاهرا فتخاصم أهل مصر وتشاحوا في دفنه كل
يحب أن يدفن في محلتهم حتى هموا بالقتال ، فرأوا من الرأي أن عملوا له صندوقا من مرمر وجعلوه فيه ودفنوه في
النيل بمكان يمر عليه الماء ثم يصل إلى مصر ليكونوا كلهم فيه شرعا واحدا ، وولد له أفراثيم وميشا ، وولد لأفراثيم
نون ولنون يوشع فتى موسى ، ولقد توارثت الفراعنة من العماليق بعده مصر ، ولم يزل بنو إسرائيل تحت
أيديهم على بقايا دين يوسف وآبائه إلى أن بعث الله موسى صلى الله عليه وسلم . من في ( من الملك ) و ( من تأويل
الأحاديث ) للتبعيض لأنه لم يعط إلا بعض ملك الدنيا أو بعض ملك مصر وبعض التأويل ( أنت وليي ) أنت الذي
تتولاني بالنعمة في الدارين وبوصل الملك الفاني بالملك الباقي ( توفني مسلما ) طلب للوفاة على حال الإسلام ، ولأن
يختم له بالخير والحسنى كما قال يعقوب لولده - ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون - ويجوز أن يكون تمنيا للموت على
ما قيل ( وألحقني بالصالحين ) من آبائي أو على العموم . وعن عمر بن عبد العزيز أن ميمون بن مهران بات عنده
فرآه كثير البكاء والمسألة للموت فقال له : صنع الله على يديك خيرا كثيرا ، أحييت سننا وأمت بدعا وفى حياتك
خير وراحة للمسلمين ، فقال : أفلا أكون كالعبد الصالح لما أقر الله عينه وجمع له أمره قال - توفني مسلما
وألحقني بالصالحين - . فإن قلت : علام انتصب فاطر السماوات ؟ قلت : على أنه وصف لقوله رب كقولك أخا
زيد حسن الوجه أو على النداء ( ذلك ) إشارة إلى ما سبق من نبأ يوسف ، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم
ومحله الابتداء ، وقوله ( من أنباء الغيب نوحيه إليك ) خبران ، ويجوز أن يكون اسما موصولا بمعنى الذي ، ومن
أنباء الغيب صلته ، ونوحيه الخبر ، والمعنى : إن هذا النبأ غيب لم يحصل لك إلا من جهة الوحي ، لأنك لم تحضر
بنى يعقوب حين أجمعوا أمرهم وهو إلقاؤهم أخاهم في البئر كقوله - وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب - وهذا تهكم
بقريش وبمن كذبه ، لأنه لم يخف على أحد من المكذبين أنه لم يكن من حملة هذا الحديث وأشباهه ولا لقى فيها أحدا