وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك
لشديد العقاب ، ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر
ولكل قوم هاد .
شرح
إليهم بالإمهال ، وذلك أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بالعذاب استهزاء منهم بإنذاره ( وقد
خلت من قبلهم المثلات ) أي عقوبات أمثالهم من المكذبين فما لهم لم يعتبروا بها فلا يستهزئوا ، والمثلة : العقوبة
بوزن السمرة ، والمثلة لما بين ( 1 ) العقاب والمعاقب عليه من المماثلة ، وجزاء سيئة سيئة مثلها ، ويقال أمثلت الرجل من
صاحبه وأقصصته منه والمثال القصاص . وقرئ المثلات بضمتين لاتباع الفاء العين ، والمثلات بفتح الميم وسكون
الثاء كما يقال السمرة ، والمثلات بضم الميم وسكون الثاء تخفيف المثلات بضمتين ، والمثلات جمع مثلة كركبة
وركبات ( لذو مغفرة للناس على ظلمهم ) أي مع ظلمهم أنفسهم بالذنوب ومحله الحال بمعنى ظالمين لأنفسهم
وفيه أوجه : أن يريد السيئات المكفرة لمجتنب الكبائر ، أو الكبائر بشرط التوبة ، أو يريد بالمغفرة الستر والإمهال .
وروى أنها لما نزلت قال النبي صلى الله عليه وسلم ( لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحدا العيش ، ولولا وعيده
وعقابه لاتكل كل أحد ) ( لولا أنزل عليه آية من ربه ) لم يعتدوا بالآيات المنزلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
عنادا فاقترحوا نحو آيات موسى وعيسى من انقلاب العصا حية وإحياء الموتى . فقيل لرسول الله صلى الله عليه
وسلم : إنما أنت رجل أرسلت منذرا ، ومخوفا لهم من سوء العاقبة وناصحا كغيرك من الرسل ، وما عليك إلا الإتيان
بما يصح به أنك رسول منذر ، وصحة ذلك حاصلة بأية آية كانت ، والآيات كلها سواء في حصول صحة الدعوى
بها لا تفاوت بينها ، والذي عنده كل شئ بمقدار يعطى كل نبي آية على حسب ما اقتضاه علمه بالمصالح وتقديره
لها ( ولكل قوم هاد ) من الأنبياء يهديهم إلى الدين ويدعوهم إلى الله بوجه من الهداية وبآية خص بها ، ولم يجعل
الأنبياء شرعا واحدا في آيات مخصوصة ، ووجه آخر : وهو أن يكون المعنى أنهم يجحدون كون ما أنزل عليك
آيات ويعاندون ، فلا يهمنك ذلك إنما أنت منذر ، فما عليك إلا أن تنذر لا أن تثبت الإيمان في صدورهم ولست
بقادر عليه ، ولكل قوم هاد قادر على هدايتهم بالإلجاء وهو الله تعالى ، ولقد دل بما أردفه من ذكر آيات علمه
وتقديره الأشياء على قضايا حكمته أن إعطاءه كل منذر آيات خلاف آيات غيره أمر مدبر بالعلم النافذ مقدر
بالحكمة الربانية ، ولو علم في إجابتهم إلى مقترحهم خيرا ومصلحة لأجابهم إليه . وأما على الوجه الثاني فقد دل به
هامش
( 1 ) ( قوله والمثلة لما بين ) عبارة أبى السعود سميت بها لما بين الخ اه مصححه .