تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون . قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون . قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم . قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين . قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزى
شرح
فإني أدس صاعي في رحلك ثم أنادى عليك بأنك قد سرقته ليتهيأ لي ردك بعد تسريحك معهم ، قال افعل ( السقاية ) مشربة يسقى بها وهى الصواع . وقيل كان يسقى بها الملك ثم جعلت صاعا يكال به ، وقيل كانت الدواب تسقى بها ويكال بها ، وقيل كانت إناء مستطيلا يشبه المكوك ، وقيل هي المكوك الفارسي الذي يلتقى طرفاه تشرب به الأعاجم ، وقيل كانت من فضة مموهة بالذهب ، وقيل كانت من ذهب ، وقيل كانت مرصعة بالجواهر ( ثم أذن مؤذن ) ثم نادى مناد ، يقال آذنه : أعلمه ، وأذن : أكثر الإعلام ، ومنه المؤذن لكثرة ذلك منه . روى أنهم ارتحلوا وأمهلهم يوسف حتى انطلقوا ، ثم أمر بهم فأدركوا وحبسوا ثم قيل لهم ذلك . والعير : الإبل التي عليها الأحمال لأنها تعير : أي تذهب وتجئ ، وقيل هي قافلة الحمير ، ثم كثر حتى قيل لكل قافلة عير كأنها جمع عير ، وأصلها فعل كسقف وسقف فعل به ما فعل ببيض وعيد ، والمراد أصحاب العير كقوله ( يا خيل الله اركبي ) وقرأ ابن مسعود وجعل السقاية على حذف جواب لما ، كأنه قيل : فلما جهزهم بجهازهم وجعل السقاية في رحل أخيه أمهلهم حتى انطلقوا ثم أذن مؤذن . وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي تفقدون ، من أفقدته إذا وجدته فقيدا . وقرئ صواع وصاع وصوع بفتح الصاد وضمها والعين معجمة وغير معجمة ( وأنا به زعيم ) يقوله المؤذن يريد : وأنا بحمل البعير كفيل أؤديه إلى من جاء به ، وأراد وسق بعير من طعام جعلا لمن حصله ( تالله ) قسم فيه معنى التعجب مما أضيف إليهم ، وإنما قالوا لقد علمتم فاستشهدوا بعلمهم لما ثبت عندهم من دلائل دينهم وأمانتهم في كرتي مجيئهم ومداخلتهم للملك ، ولأنهم دخلوا وأفواه رواحلهم مكعومة لئلا تتناول زرعا أو طعاما لأحد من أهل السوق ، ولأنهم ردوا بضاعتهم التي وجدوها في رحالهم ( وما كنا سارقين ) وما كنا قط نوصف بالسرقة وهى منافية لحالنا ( فما جزاؤه ) الضمير للصواع : أي فما جزاء سرقته ( إن كنتم كاذبين ) في جحودكم وادعائكم البراءة منه ( قالوا جزاؤه من وجد في رحله ) أي جزاء سرقته أخذ من وجد في رحله ، وكان حكم السارق في آل يعقوب أن يسترق سنة ، فلذلك استفتوا في جزائه ، وقولهم ( فهو جزاؤه ) تقرير للحكم ، فأخذ السارق نفسه هو جزاؤه لاغير كقولك : حق زيد أن يكسى ويطعم وينعم عليه فذلك حقه : أي فهو حقه لتقرر ما ذكرته من استحقاته وتلزمه ، ويجوز أن يكون جزاؤه مبتدأ والجملة الشرطية ، كما هي خبره على إقامة الظاهر فيها مقام المضمر ، والأصل جزاؤه من وجد في رحله فهو هو ، فوضع الجزاء موضع هو كما تقول لصاحبك : من أخو زيد ؟ فيقول لك أخوه من يقعد إلى جنبه ، فهو هو يرجع الضمير الأول إلى من ، والثاني إلا الأخ ، ثم تقول : فهو أخوه ، مقيما للمظهر مقام المضمر . ويحتمل أن يكون جزاؤه خبر مبتدأ محذوف : أي المسؤول عنه جزاؤه ، ثم أفتوا بقولهم - من وجد في رحله فهو جزاؤه - كما يقول من يستفتى في جزاء صيد
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 334 | الزمخشري