السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون . قالوا وأقبلوا
عليهم ماذا تفقدون . قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم .
قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين قالوا فما
جزاؤه إن كنتم كاذبين . قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزى
شرح
فإني أدس صاعي في رحلك ثم أنادى عليك بأنك قد سرقته ليتهيأ لي ردك بعد تسريحك معهم ، قال افعل ( السقاية )
مشربة يسقى بها وهى الصواع . وقيل كان يسقى بها الملك ثم جعلت صاعا يكال به ، وقيل كانت الدواب تسقى بها
ويكال بها ، وقيل كانت إناء مستطيلا يشبه المكوك ، وقيل هي المكوك الفارسي الذي يلتقى طرفاه تشرب به
الأعاجم ، وقيل كانت من فضة مموهة بالذهب ، وقيل كانت من ذهب ، وقيل كانت مرصعة بالجواهر ( ثم
أذن مؤذن ) ثم نادى مناد ، يقال آذنه : أعلمه ، وأذن : أكثر الإعلام ، ومنه المؤذن لكثرة ذلك منه . روى
أنهم ارتحلوا وأمهلهم يوسف حتى انطلقوا ، ثم أمر بهم فأدركوا وحبسوا ثم قيل لهم ذلك . والعير : الإبل التي
عليها الأحمال لأنها تعير : أي تذهب وتجئ ، وقيل هي قافلة الحمير ، ثم كثر حتى قيل لكل قافلة عير كأنها جمع
عير ، وأصلها فعل كسقف وسقف فعل به ما فعل ببيض وعيد ، والمراد أصحاب العير كقوله ( يا خيل الله اركبي )
وقرأ ابن مسعود وجعل السقاية على حذف جواب لما ، كأنه قيل : فلما جهزهم بجهازهم وجعل السقاية في رحل
أخيه أمهلهم حتى انطلقوا ثم أذن مؤذن . وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي تفقدون ، من أفقدته إذا وجدته فقيدا .
وقرئ صواع وصاع وصوع بفتح الصاد وضمها والعين معجمة وغير معجمة ( وأنا به زعيم ) يقوله
المؤذن يريد : وأنا بحمل البعير كفيل أؤديه إلى من جاء به ، وأراد وسق بعير من طعام جعلا لمن حصله ( تالله )
قسم فيه معنى التعجب مما أضيف إليهم ، وإنما قالوا لقد علمتم فاستشهدوا بعلمهم لما ثبت عندهم من دلائل دينهم
وأمانتهم في كرتي مجيئهم ومداخلتهم للملك ، ولأنهم دخلوا وأفواه رواحلهم مكعومة لئلا تتناول زرعا أو طعاما
لأحد من أهل السوق ، ولأنهم ردوا بضاعتهم التي وجدوها في رحالهم ( وما كنا سارقين ) وما كنا قط نوصف
بالسرقة وهى منافية لحالنا ( فما جزاؤه ) الضمير للصواع : أي فما جزاء سرقته ( إن كنتم كاذبين ) في جحودكم
وادعائكم البراءة منه ( قالوا جزاؤه من وجد في رحله ) أي جزاء سرقته أخذ من وجد في رحله ، وكان حكم
السارق في آل يعقوب أن يسترق سنة ، فلذلك استفتوا في جزائه ، وقولهم ( فهو جزاؤه ) تقرير للحكم ،
فأخذ السارق نفسه هو جزاؤه لاغير كقولك : حق زيد أن يكسى ويطعم وينعم عليه فذلك حقه : أي فهو حقه
لتقرر ما ذكرته من استحقاته وتلزمه ، ويجوز أن يكون جزاؤه مبتدأ والجملة الشرطية ، كما هي خبره على إقامة
الظاهر فيها مقام المضمر ، والأصل جزاؤه من وجد في رحله فهو هو ، فوضع الجزاء موضع هو كما تقول
لصاحبك : من أخو زيد ؟ فيقول لك أخوه من يقعد إلى جنبه ، فهو هو يرجع الضمير الأول إلى من ، والثاني
إلا الأخ ، ثم تقول : فهو أخوه ، مقيما للمظهر مقام المضمر . ويحتمل أن يكون جزاؤه خبر مبتدأ محذوف :
أي المسؤول عنه جزاؤه ، ثم أفتوا بقولهم - من وجد في رحله فهو جزاؤه - كما يقول من يستفتى في جزاء صيد