تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون . قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين . قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون . فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل
شرح
أو دجاجة فأعطاها السائل . وقيل كانت لإبراهيم عليه السلام منطقة يتوارثها أكابر ولده فورثها إسحاق ، ثم وقعت إلى ابنته وكانت أكبر أولاده فحضنت يوسف وهى عمته بعد وفاة أمه ، وكانت لاتصبر عنه ، لما شب أراد يعقوب أن ينتزعه منها فعمدت إلى المنطقة فحزمتها على يوسف تحت ثيابه وقالت : فقدت منطقة إسحاق فانظروا من أخذها ، فوجدوها محزومة على يوسف ، فقالت : إنه لي سلم أفعل به ما شئت ، فخلاه يعقوب عندها حتى ماتت ( فأسرها ) إضمار على شريطة التفسير تفسيره ( أنتم شر مكانا ) وإنما أنت لأن قوله - أنتم شر مكانا جملة أو كلمة على تسميتهم الطائفة من الكلام كلمة كأنه قيل : فأسر الجملة أو الكلمة التي هي قوله أنتم شر مكانا - ، والمعنى : قال في نفسه أنتم شر مكانا ، لأن قوله قال أنتم شر مكانا بدلا من أسرها . وفى قراءة ابن مسعود : فأسره على التذكير يريد القول أو الكلام ، ومعنى أنتم شر مكانا : أنتم شر منزلة في السرق لأنكم سارقون بالصحة لسرقتكم أخاكم من أبيكم ( والله أعلم بما تصفون ) يعلم أنه لم يصح لي ولا لأخي سرقة وليس الأمر كما تصفون . استعطفوه بإذكارهم إياه حق أبيهم يعقوب وأنه شيخ كبير السن أو كبير القدر ، وأن بنيامين أحب إليه منهم وكانوا قد أخبروه بأن ولدا له قد هلك وهو عليه ثكلان وأنه مستأنس بأخيه ( فخذ أحدنا مكانه ) فخذه بدله على وجه الاسترهان أو الاستعباد ( إنا نراك من المحسنين ) إلينا ، فأتمم إحسانك أو من عادتك الإحسان فاجر على عادتك ولا تغيرها ( معاذ الله ) هو كلام موجه ظاهره أنه وجب على قضية فتواكم أخذ من وجد الصواع في رحله واستعباده فلو أخذنا غيره كان ذلك ظلما في مذهبكم فلم تطلبوا ما عرفتم أنه ظلم ؟ وباطنه أن الله أمرني وأوحى إلى بأخذ بنيامين واحتباسه لمصلحة أو لمصالح جمة علمها في ذلك ، فلو أخذت غير من أمرني بأخذه كنت ظالما وعاملا على خلاف الوحي ، ومعنى معاذ الله ( أن نأخذ ) نعوذ بالله معاذا من أن نأخذ ، فأضيف المصدر إلى المفعول به وحذف من ، و ( إذا ) جواب لهم وجزاء لأن المعنى إن أخذنا بدله ظلمنا ( استيأسوا ) يئسوا وزيادة السين والتاء في المبالغة نحو ما مر في استعصم . والنجى على معنيين : يكون بمعنى المناجى كالعشير والسمير بمعنى المعاشر والمسامر ومنه قول تعالى - وقربناه نجيا - ، وبمعنى المصدر الذي هو التناجي كما قيل النجوى بمعناه ، ومنه قيل قوم نجى كما قيل - وإذ هم نجوى - تنزيلا للمصدر منزلة الأوصاف ، ويجوز أن يقال هم نجى كما قيل هم صديق لأنه بزنة المصادر وجمع أنجية ، قال * إني إذا ما القوم كانوا أنجيه * ومعنى ( خلصوا ) اعتزلوا وانفردوا عن الناس خالصين لا يخالطهم سواهم ( نجيا ) ذوي نجوى أو فوجا نجيا : أي مناجيا لمناجاة بعضهم بعضا ، وأحسن منه أنهم تمخضوا تناجيا لاستجماعهم لذلك وإفاضتهم فيه بجد واهتمام كأنهم في أنفسهم صورة التناجي وحقيقته ، وكان تناجيهم في تدبير أمرهم على أي صفة يذهبون وماذا يقولون لأبيهم في شأن أخيهم ، كقوم تعايوا بما دهمهم من الخطب فاحتاجوا إلى التشاور ( كبيرهم ) في السن وهو روبيل ، وقيل رئيسهم وهو شمعون ، وقيل كبيرهم