نكتل وإنا له لحافظون . قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله
خير حافظا وهو أرحم الراحمين . ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا
يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير
ذلك كيل يسير .
شرح
قول يوسف - فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي - لأنهم إذا أنذروا بمنع الكيل فقد منع الكيل ( نكتل ) نرفع
المانع من الكيل ونكتل من الطعام ما نحتاج إليه . وقرئ يكتل بمعنى يكتل أخونا فينضم اكتياله إلى اكتيالنا أو
يكن سببا للاكتيال فإن امتناعه بسببه ( هل آمنكم عليه ) يريد أنكم قلتم في يوسف - وإنا له لحافظون - كما تقولونه
في أخيه ثم خنتم بضمانكم ، فما يؤمنني من مثل ذلك ؟ ثم قال ( فالله خير حافظا ) فتوكل على الله فيه ودفعه إليهم ،
وحافظا تمييز كقولك : هو خيرهم رجلا ولله دره فارسا ، ويجوز أن يكون حالا . وقرئ حفظا . وقرأ الأعمش
فالله خير حافظ . وقرأ أبو هريرة خير الحافظين ( وهو أرحم الراحمين ) فأرجو أن ينعم على بحفظه ولا يجمع على
مصيبتين . وقرئ ردت إلينا بالكسر : على أن كسرة الدال المدغمة نقلت إلى الراء كما في قيل وبيع . وحكى قطرب
ضرب زيد على نقل كسرة الراء فيمن سكنها إلى الضاد ( ما نبغي ) للنفي : أي ما نبغي في القول وما نتزيد فيما
وصفنا لك من إحسان الملك وإكرامه ، وكانوا قالوا له : إنا قدمنا على خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان
رجلا من آل يعقوب ما أكرمنا كرامته ، أو ما نبتغي شيئا وراء ما فعل بنا من الإحسان ، أو على الاستفهام بمعنى
أي شئ نطلب : وراء هذا ؟ وفى قراءة ابن مسعود ما تبغى بالتاء على مخاطبة يعقوب ، معناه : أي شئ تطلب
وراء هذا من الإحسان أو من الشاهد على صدقنا ؟ وقيل معناه : ما نريد منك بضاعة أخرى ، وقوله ( هذه
بضاعتنا ردت إلينا ) جملة مستأنفة موضحة لقوله ما نبغي ، والجمل بعدها معطوفة عليها على معنى إن بضاعتنا
ردت إلينا فنستظهر بها ( ونميز أهلنا ) في رجوعنا إلى الملك ( ونحفظ أخانا ) فما يصيبه شئ مما تخافه ونزداد
باستصحاب أخينا وسق بعير زائدا على أوساق أباعرنا ، فأي شئ نبتغي وراء هذه الباغي التي نستصلح بها
أحوالنا ونوسع ذات أيدينا ؟ وإنما قالوا ( ونزداد كيل بعير ) لما ذكرنا أنه كان لا يزيد للرجل على حمل بعير
للتقسيط . فإن قلت : هذا إذا فسرت البغى بالطلب . فأما إذا فسرته بالكذب والتزيد في القول كانت الجملة
الأولى وهى قوله - هذه بضاعتنا ردت إلينا - بيانا لصدقهم وانتفاء التزيد عن قيلهم ، فما تصنع بالجمل البواقي ؟
قلت : أعطفها على قوله ما نبغي على معنى : لا نبغي فيما نقول ونمير أهلنا ونفعل كيت وكيت . ويجوز أن يكون
كلاما مبتدأ كقولك : وينبغي أن نمير أهلنا ، كما تقول : سعيت في حاجة فلان واجتهدت في تحصيل غرضه ،
ويجب أن أسعى وينبغي لي أن لا أقصر . ويجوز أن يراد : ما نبغي وما ننطق إلا بالصواب فيما نشير به عليك من
تجهيزنا مع أخينا ، ثم قالوا : هذه بضاعتنا نستظهر بها ونمير أهلنا ونفعل ونصنع بيانا لأنهم لا يبغون في رأيهم وأنهم
مصيبون فيه وهو وجه حسن واضح ( ذلك كيل يسير ) أي ذلك مكيل قليل لا يكفينا : يعنون ما يكال لهم ،
فأرادوا أن يزدادوا إليه ما يكال لأخيهم ، أو يكون ذلك إشارة إلى كيل بعير : أي ذلك الكيل شئ قليل يجيبنا