قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما آتوه
موثقهم قال الله على ما نقول وكيل . وقال يا بنى لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة
شرح
إليه الملك ولا يضايقنا فيه ، أو سهل عليه متيسر لا يتعاظمه . ويجوز أن يكون من كلام يعقوب وأن حمل بعير
واحد شئ يسير لا يخاطر لمثله بالولد كقوله ذلك - ليعلم - ( لن أرسله معكم ) مناف لحالي وقد رأيت منكم ما رأيت
إرساله معكم ( حتى تؤتون موثقا من الله ) حتى تعطوني ما أتوثق به من عند الله ، أراد أن يحلفوا له بالله ، وإنما
جعل الحلف بالله موثقا منه لأن الحلف به مما تؤكد به العهود وتشدد ، وقد أذن الله في ذلك فهو إذن منه ( لتأتنني به )
جواب اليمين لأن المعنى : حتى تحلفوا لتأتنني به ( إلا أن يحاط بكم ) إلا أن تغلبوا فلا تطيقوا الإتيان به أو إلا أن
تهلكوا . فإن قلت : أخبرني عن حقيقة هذا الاستثناء ففيه إشكال . قلت : أن يحاط مفعول له ، والكلام
المثبت الذي هو قوله لتأتنني به في تأويل النفي ، معناه : لا تمتنعون من الإتيان به إلا للإحاطة بكم : أي لا تمتنعون منه
لعلة من العلل إلا لعلة واحدة وهى أن يحاط بكم ، فهو استثناء من أعم العام في المفعول له ، والاستثناء من أعم
العام لا يكون إلا في النفي وحده ، فلا بد من تأويله بالنفي ، ونظيره من الإثبات المتأول بمعنى النفي قولهم : أقسمت
بالله لما فعلت وإلا فعلت ، تريد ما أطلب منك إلا الفعل ( على ما نقول ) من طلب الموثق وإعطائه ( وكيل ) رقيب
مطلع . وإنما نهاهم أن يدخلوا من باب واحد لأنهم كانوا ذوي بهاء وشارة حسنة ، اشتهرهم أهل مصر بالقربة
عند الملك والتكرمة الخاصة التي لم تكن لغيرهم فكانوا مظنة لطموح الأبصار إليهم من بين الوفود ، وإن يشار
إليهم بالأصابع ويقال هؤلاء أضياف الملك ، انظروا إليهم ما أحسنهم من فتيان وما أحقهم بالإكرام ، لأمر ما
أكرمهم الملك وقربهم وفضلهم على الوافدين عليه ، فخاف لذلك أن يدخلوا كوكبة واحدة فيعانوا لجمالهم