وما أغنى عنكم من الله من شئ إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ،
ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغنى عنهم من الله من شئ
إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس
لا يعلمون ، ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس
بما كانوا يعملون . فلما جهزهم بجهازهم جعل
شرح
وجلالة أمرهم في الصدور فيصيبهم ما يسوءهم ، ولذلك لم يوصهم بالتفرق في الكرة الأولى لأنهم كانوا مجهولين
مغمورين بين الناس . فإن قلت : هل للإصابة بالعين وجه تصح عليه ؟ قلت : يجوز أن يحدث الله عز وجل عند
النظر إلى الشئ والإعجاب به نقصانا فيه وخللا من بعض الوجوه ، ويكون ذلك ابتلاء من الله وامتحانا لعباده
ليتميز المحققون من أهل الحشو ، فيقول المحقق هذا فعل الله ، ويقول الحشوي هو أثر العين كما قال تعالى - وما
جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا - الآية . وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يعوذ الحسن والحسين فيقول
( أعيذكما بكلمات الله التامة من كل عين لامة ، ومن كل شيطان وهامة ) ( وما أغنى عنكم من الله من شئ ) يعنى
إن أراد الله بكم سوءا لم ينفعكم ولم يدفع عنكم ما أشرت به عليكم من التفريق وهو مصيبكم لا محالة ( إن الحكم إلا
لله ) ثم قال ( ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ) أي متفرقين ( ما كان يغنى عنهم ) رأى يعقوب ودخولهم متفرقين
شيئا قط ، حيث أصابهم ما ساءهم مع تفريقهم من إضافة السرقة إليهم وافتضاحهم بذلك ، وأخذ أخيهم بوجدان
الصواع في رحله وتضاعف المصيبة على أبيهم ( إلا حاجة ) استثناء منقطع على معنى : ولكن حاجة ( في نفس
يعقوب قضاها ) وهى شفقته عليهم وإظهارها بما قاله لهم ووصاهم به ( وإنه لذو علم ) يعنى قوله - وما أغنى عنكم
وعلمه بأن القدر لا يغنى عنه الحذر ( آوى إليه أخاه ) ضم إليه بنيامين . وروى أنهم قالوا له : أخونا قد جئناك به ،
فقال لهم : أحسنتم وأصبتم وستجدون ذلك عندي ، فأنزلهم وأكرمهم ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على
مائدة ، فبقى بنيامين وحده فبكى وقال : لو كان أخي يوسف حيا لأجلسني معه : فقال يوسف : بقي أخوكم
وحيدا فأجلسه معه على مائدته وجعل يواكله وقال : أنتم عشرة فلينزل كل اثنين منكم بيتا ، وهذا لا ثاني له
فيكون معي ، فبات يوسف يضمه إليه ويشم رائحته حتى أصبح وسأله عن ولده فقال : لي عشرة بنين اشتققت
أسماءهم من اسم أخ لي هلك ، فقال له : أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك ؟ قال : من يجد أخا مثلك ،
ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل ، فبكى يوسف وقام إليه وعانقه وقال له ( إني أنا أخوك ) يوسف ( فلا
تبتئس ) فلا تحزن ( بما كانوا يعملون ) بنا فيما مضى فإن الله قد أحسن إلينا وجعلنا على خير ولا تعلمهم بما
أعلمتك . وعن ابن عباس تعرف إليه . وعن وهب إنما قال له أنا أخوك بدل أخيك المفقود فلا تبتئس بما كنت
تلقى منهم من الحسد والأذى فقد أمنتهم . وروى أنه قال له : فأنا لا أفارقك ، قال : قد علمت اغتمام والدي بي ،
فإذا حبستك ازداد غمه ولا سبيل إلى ذلك إلا أن أنسبك إلى مالا يجمل ، قال : لا أبالي فافعل ما بدا لك ، قال :