تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون . ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أنى أوفى الكيل وأنا خير المنزلين . فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون . قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون . وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون . فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا
شرح
تعرفوا له ( ولما جهزهم بجهازهم ) أي أصلحهم بعدتهم وهى عدة السفر من الزاد وما يحتاج إليه المسافرون ، وأوقر ركائبهم بما جاءوا له من الميرة ، وقرئ بجهازهم بكسر الجيم ( قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ) لابد من مقدمة سبقت له معهم حتى اجتر القول هذه المسألة . روى أنه لما رآهم وكلموه بالعبرانية قال لهم : أخبروني من أنتم وما شأنكم فإني أنكركم ، قالوا : نحن قوم من أهل الشأم رعاة أصابنا الجهد فجئنا نمتار ، فقال : لعلكم جئتم عيونا تنظرون عورة بلادي ، قالوا : معاذ الله نحن إخوة بنو أب واحد وهو شيخ صديق نبي من الأنبياء اسمه يعقوب . قال كم أنتم ؟ قالوا كنا اثنى عشر فهلك منا واحد ، قال : فكم أنتم ههنا ؟ قالوا عشرة ، قال : فأين الأخ الحادي عشر ؟ قالوا هو عند أبيه يتسلى به من الهلك ، قال : فمن يشهد لكم أنكم لستم بعيون وأن الذي تقولون حق ؟ قالوا : إننا ببلاد لا يعرفنا فيها أحد فيشهد لنا ، قال : فدعوا بعضكم عندي رهينة وائتوني بأخيكم من أبيكم وهو يحمل رسالة من أبيكم حتى أصدقكم ، فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون وكان أحسنهم رأيا في يوسف فخلفوه عنده ، وكان قد أحسن إنزالهم وضيافتهم ( ولا تقربون ) فيه وجهان : أحدهما أن يكون داخلا في حكم الجزاء مجزوما عطفا على محل قوله - فلا كيل لكم - كأنه قيل : فإن لم تأتوني به تحرموا ولا تقربوا وأن يكون بمعنى النهى ( سنراود عنه أباه ) سنخادعه عنه وسنجتهد ونحتال حتى ننتزعه من يده ( وإنا لفاعلون ) وإنا لقادرون على ذلك لا نتعايا به ، أو وإنا لفاعلون ذلك لا محالة لا نفرط فيه ولا نتوانى ( لفتيته ) وقرئ لفتيانه وهما جمع فتى كإخوة وإخوان في أخ وفعلة للقلة وفعلان للكثرة : أي لغلمانه الكيالين ( لعلهم يعرفونها ) لعلهم يعرفون حق ردها وحق التكريم بإعطاء البدلين ( إذا انقلبوا إلى أهلهم ) وفرغوا ظروفهم ( لعلهم يرجعون ) لعل معرفتهم بذلك تدعوهم إلى الرجوع إلينا ، وكانت بضاعتهم النعال والآدم . وقيل تخوف أن لا يكون عند أبيه من المتاع ما يرجعون به . وقيل لم ير من الكرم أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمنا : وقيل علم أن ديانتهم تحملهم على رد البضاعة لا يستحلون إمساكها فيرجعون لأجلها . وقيل معنى - لعلهم يرجعون - لعلهم يردونها ( منع منا الكيل ) يريدون
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 330 | الزمخشري