إن ربى غفور رحيم . وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال
إنك اليوم لدينا مكين أمين . قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم .
شرح
الاعتذار مما كان منها ، إن كل نفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربى ، إلا نفسا رحمها الله بالعصمة كنفس يوسف
( إني ربى غفور رحيم ) استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت . فإن قلت : كيف صح أن يجعل من كلام يوسف
ولا دليل على ذلك ؟ قلت : كفى بالمعنى دليلا قائدا إلى أن يجعل من كلامه ونحوه قوله - قال الملأ من قوم فرعون
إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره - ثم قال - فماذا تأمرون - وهو من كلام فرعون يخاطبهم
ويستشيرهم ، وعن ابن جريج : هذا من تقديم القرآن وتأخيره ذهب إلى أن ذلك ليعلم متصل بقوله : فاسأله ما بال
النسوة اللاتي قطعن أيديهن ، ولقد لفقت المبطلة روايات مصنوعة ، فزعموا أن يوسف حين قال أنى لم أخنه
بالغيب ، قال له جبريل : ولا حين هممت بها ، وقالت له امرأة العزيز : ولا حين حللت تكة سراويلك يا يوسف ؟
وذلك لتهالكهم على بهت الله ورسله . يقال استخلصه واستخصه إذا جعله خالصا لنفسه وخاصا به ( فلما كلمه )
وشاهد منه مالم يحتسب ( قال ) أيها الصديق ( إنك اليوم لدينا مكين ) ذو مكانة ومنزلة ( أمين ) مؤتمن على كل
شئ . روى أن الرسول جاءه فقال : أجب الملك ، فخرج من السجن ودعا لأهله : اللهم عطف عليهم قلوب
الأخيار ولا تعم عليهم الأخبار ، فهم أعلم الناس بالأخبار في الواقعات ، وكتب على باب السجن : هذه منازل
البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء . ثم اغتسل وتنظف من درن السجن ولبس ثيابا جددا ،
فلما دخل على الملك قال : اللهم إني أسألك بخيرك من خيره ، وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره ، ثم سلم عليه ودعا
له بالعبرانية ، فقال : ما هذا اللسان ؟ قال : لسان آبائي ، وكان الملك يتكلم بسبعين لسانا فكلمه بها فأجابه بجميعها
فتعجب منه وقال : أيها الصديق إني أحب أن أسمع رؤياي منك ، فقال : رأيت بقرات فوصف لونهن وأحوالهن
ومكان خروجهن ، ووصف السنابل وما كان منها على الهيئة التي رآها الملك لا يخرم منها حرف ، وقال له : من
حقك أن تجمع الطعام في الأهراء ، فيأتيك الخلق من النواحي يمتارون منك ، ويجتمع لك من الكنوز مالم يجتمع
لأحد قبلك ( اجعلني على خزائن الأرض ) ولني خزائن أرضك ( إني حفيظ عليم ) أمين أحفظ ما تستحفظنيه ،
عالم بوجوه التصرف ، وصفا لنفسه بالأمانة والكفاية اللتين هما طلبة الملوك ممن يولونه ، وإنما قال ذلك ليتوصل إلى
إمضاء أحكام الله تعالى وإقامة الحق وبسط العدل والتمكن مما لأجله تبعث الأنبياء إلى العباد ، ولعلمه أن أحدا غيره
لا يقوم مقامه في ذلك ، فطلب التولية ابتغاء وجه الله لحب الملك والدنيا . وعن النبي صلى الله عليه وسلم ( رحم
الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته ولكنه أخر ذلك سنة ) . فإن قلت :