تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
إن ربى غفور رحيم . وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين . قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم .
شرح
الاعتذار مما كان منها ، إن كل نفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربى ، إلا نفسا رحمها الله بالعصمة كنفس يوسف ( إني ربى غفور رحيم ) استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت . فإن قلت : كيف صح أن يجعل من كلام يوسف ولا دليل على ذلك ؟ قلت : كفى بالمعنى دليلا قائدا إلى أن يجعل من كلامه ونحوه قوله - قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره - ثم قال - فماذا تأمرون - وهو من كلام فرعون يخاطبهم ويستشيرهم ، وعن ابن جريج : هذا من تقديم القرآن وتأخيره ذهب إلى أن ذلك ليعلم متصل بقوله : فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ، ولقد لفقت المبطلة روايات مصنوعة ، فزعموا أن يوسف حين قال أنى لم أخنه بالغيب ، قال له جبريل : ولا حين هممت بها ، وقالت له امرأة العزيز : ولا حين حللت تكة سراويلك يا يوسف ؟ وذلك لتهالكهم على بهت الله ورسله . يقال استخلصه واستخصه إذا جعله خالصا لنفسه وخاصا به ( فلما كلمه ) وشاهد منه مالم يحتسب ( قال ) أيها الصديق ( إنك اليوم لدينا مكين ) ذو مكانة ومنزلة ( أمين ) مؤتمن على كل شئ . روى أن الرسول جاءه فقال : أجب الملك ، فخرج من السجن ودعا لأهله : اللهم عطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعم عليهم الأخبار ، فهم أعلم الناس بالأخبار في الواقعات ، وكتب على باب السجن : هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء . ثم اغتسل وتنظف من درن السجن ولبس ثيابا جددا ، فلما دخل على الملك قال : اللهم إني أسألك بخيرك من خيره ، وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره ، ثم سلم عليه ودعا له بالعبرانية ، فقال : ما هذا اللسان ؟ قال : لسان آبائي ، وكان الملك يتكلم بسبعين لسانا فكلمه بها فأجابه بجميعها فتعجب منه وقال : أيها الصديق إني أحب أن أسمع رؤياي منك ، فقال : رأيت بقرات فوصف لونهن وأحوالهن ومكان خروجهن ، ووصف السنابل وما كان منها على الهيئة التي رآها الملك لا يخرم منها حرف ، وقال له : من حقك أن تجمع الطعام في الأهراء ، فيأتيك الخلق من النواحي يمتارون منك ، ويجتمع لك من الكنوز مالم يجتمع لأحد قبلك ( اجعلني على خزائن الأرض ) ولني خزائن أرضك ( إني حفيظ عليم ) أمين أحفظ ما تستحفظنيه ، عالم بوجوه التصرف ، وصفا لنفسه بالأمانة والكفاية اللتين هما طلبة الملوك ممن يولونه ، وإنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله تعالى وإقامة الحق وبسط العدل والتمكن مما لأجله تبعث الأنبياء إلى العباد ، ولعلمه أن أحدا غيره لا يقوم مقامه في ذلك ، فطلب التولية ابتغاء وجه الله لحب الملك والدنيا . وعن النبي صلى الله عليه وسلم ( رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته ولكنه أخر ذلك سنة ) . فإن قلت :