تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدى كيد الخائنين . وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربى
شرح
بقي لنا مقال ، ولا بد لنا من أن ندق في فروة من ثبتت نزاهته ( ذلك ليعلم ) من كلام يوسف أي ذلك التثبيت والتشمر لظهور البراءة ليعلم العزيز ( أنى لم أخنه ) بظهر الغيب في حرمته . ومحل ( بالغيب ) الحال من الفاعل أو المفعول على معنى وأنا غائب عنه خفى عن عينه ، أو وهو غائب عنى خفى عن عيني . ويجوز أن يكون ظرفا : أي بمكان الغيب وهو الخلفاء والاستتار وراء الأبواب السبعة المغلقة ( و ) ليعلم ( أن الله لا يهدى كيد الخائنين ) لا ينفذه ولا يسدده وكأنه تعريض بامرأته في خيانتها أمانة زوجها ، وبه في خيانته أمانة الله حين ساعدها بعد ظهور الآيات على حبسه . ويجوز أن يكون تأكيدا لأمانته ، وأنه لو كان خائنا لما هدى الله كيده ولا سدده ، ثم أراد أن يتواضع لله ويهضم نفسه لئلا يكون لها مزكيا وبحالها في الأمانة معجبا ومفتخرا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ) وليبين أن ما فيه من الأمانة ليس به وحده ، وإنما هو بتوفيق الله ولطفه وعصمته فقال ( وما أبرئ نفسي ) من الزلل ، وما أشهد لها بالبراءة الكلية ولا أزكيها ، ولا يخلو إما أن يريد في هذه الحادثة لما ذكرنا من الهم الذي هو ميل النفس عن طريق الشهوة البشرية لا عن طريق القصد والعزم ، وإما أن يريد عموم الأحوال ( إن النفس لأمارة بالسوء ) أراد الجنس : أي إن هذا الجنس يأمر بالسوء ويحمل عليه بما فيه من الشهوات ( إلا ما رحم ربى ) إلا لبعض الذي رحمه ربى بالعصمة كالملائكة . ويجوز أن يكون ما رحم في معنى الزمان : أي إلا وقت رحمة ربى : يعنى أنها أمارة بالسوء في كل وقت وأوان إلا وقت العصمة . ويجوز أن يكون استثناء منقطعا : أي ولكن رحمة ربى هي التي تصرف الإساءة كقوله - ولا هم ينقذون إلا رحمة - وقيل معناه ذلك ليعلم الله أنى لم أخنه لأن المعصية خيانة . وقيل هو من كلام امرأة العزيز : أي ذلك الذي قلت ليعلم يوسف أنى لم أخنه ولم أكذب عليه في حال الغيبة ، وجئت بالصحيح والصدق فيما سئلت عنه ، وما أبرئ نفسي مع ذلك من الخيانة فإني قد خنته حين قرفته وقلت : ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن وأودعته السجن : تريد