ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدى كيد الخائنين . وما أبرئ نفسي إن
النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربى
شرح
بقي لنا مقال ، ولا بد لنا من أن ندق في فروة من ثبتت نزاهته ( ذلك ليعلم ) من كلام يوسف أي ذلك التثبيت
والتشمر لظهور البراءة ليعلم العزيز ( أنى لم أخنه ) بظهر الغيب في حرمته . ومحل ( بالغيب ) الحال من الفاعل أو
المفعول على معنى وأنا غائب عنه خفى عن عينه ، أو وهو غائب عنى خفى عن عيني . ويجوز أن يكون ظرفا :
أي بمكان الغيب وهو الخلفاء والاستتار وراء الأبواب السبعة المغلقة ( و ) ليعلم ( أن الله لا يهدى كيد الخائنين )
لا ينفذه ولا يسدده وكأنه تعريض بامرأته في خيانتها أمانة زوجها ، وبه في خيانته أمانة الله حين ساعدها بعد ظهور
الآيات على حبسه . ويجوز أن يكون تأكيدا لأمانته ، وأنه لو كان خائنا لما هدى الله كيده ولا سدده ، ثم أراد
أن يتواضع لله ويهضم نفسه لئلا يكون لها مزكيا وبحالها في الأمانة معجبا ومفتخرا كما قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ) وليبين أن ما فيه من الأمانة ليس به وحده ، وإنما هو بتوفيق الله ولطفه وعصمته
فقال ( وما أبرئ نفسي ) من الزلل ، وما أشهد لها بالبراءة الكلية ولا أزكيها ، ولا يخلو إما أن يريد في هذه الحادثة
لما ذكرنا من الهم الذي هو ميل النفس عن طريق الشهوة البشرية لا عن طريق القصد والعزم ، وإما أن يريد
عموم الأحوال ( إن النفس لأمارة بالسوء ) أراد الجنس : أي إن هذا الجنس يأمر بالسوء ويحمل عليه بما فيه من
الشهوات ( إلا ما رحم ربى ) إلا لبعض الذي رحمه ربى بالعصمة كالملائكة . ويجوز أن يكون ما رحم في معنى
الزمان : أي إلا وقت رحمة ربى : يعنى أنها أمارة بالسوء في كل وقت وأوان إلا وقت العصمة . ويجوز أن يكون
استثناء منقطعا : أي ولكن رحمة ربى هي التي تصرف الإساءة كقوله - ولا هم ينقذون إلا رحمة - وقيل معناه ذلك
ليعلم الله أنى لم أخنه لأن المعصية خيانة . وقيل هو من كلام امرأة العزيز : أي ذلك الذي قلت ليعلم يوسف أنى لم
أخنه ولم أكذب عليه في حال الغيبة ، وجئت بالصحيح والصدق فيما سئلت عنه ، وما أبرئ نفسي مع ذلك من
الخيانة فإني قد خنته حين قرفته وقلت : ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن وأودعته السجن : تريد