ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم
لا تنصرون . وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل
شرح
قرئ ولا تركنوا بفتح الكاف وضمها مع فتح التاء . وعن أبي عمرو بكسر التاء وفتح الكاف على لغة ضم
لكسرهم حروف المضارعة إلا الياء في كل ما كان من باب علم يعلم ، ونحوه قراءة من قرأ - فتمسكم النار - بكسر
التاء . وقرأ ابن أبي عبلة : ولا تركنوا على البناء للمفعول ، من أركنه : إذا أماله ، والنهى متناول للانحطاط في هواهم
والانقطاع إليهم ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم والرضا بأعمالهم والتشبيه بهم والتزيي بزيهم ومد العين
إلى زهرتهم وذكرهم بما فيه تعظيم لهم ، وتأمل قوله - ولا تركنوا - فإن الركون هو الميل اليسير ، وقوله ( إلى الذين
ظلموا ) أي إلى الذين وجد منهم الظلم ولم يقل إلى الظالمين . وحكى أن الموفق صلى خلف الإمام فقرا بهذه الآية
فغشى عليه ، فلما أفاق قيل له ، فقال : هذا فيمن ركن إلى من ظلم فكيف بالظالم ؟ وعن الحسن رحمه الله : جعل
الله الدين بين لاءين ولا تطغوا ولا تركنوا . ولما خالط الزهري السلاطين كتب إليه أخ له في الدين : عافانا الله
وإياك أبا بكر من الفتن ، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك الله ويرحمك ، وأصبحت شيخا كبيرا
وقد أثقلتك نعم الله بما فهمك الله من كتابه وعلمك من سنة نبيه ، وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء ،
قال الله سبحانه - لتبيننه للناس ولا تكتمونه - واعلم أن أيسر ما ارتكبت وأخف ما احتملت أنك آنست وحشة
الظالم وسهلت سبيل الغى بدنوك ممن لم يؤد حقا ولم يترك باطلا حين أدناك ، اتخذوك قطبا تدور عليك رحى باطلهم ،
وجسرا يعبرون عليك إلى بلائهم ، وسلما يصعدون فيك إلى ضلالهم ، يدخلون الشك بك على العلماء ، ويقتادون
بك قلوب الجهلاء ، فما أيسر ما عمروا لك في جنب مخربوا عليك ، وما أكثر ما أخذوا منك في جنب ما أفسدوا
عليك من دينك ، فما يؤمنك أن تكون ممن قال فيهم الله - فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات
فسوف يلقون غيا - فإنك تعامل من لا يجهل ، ويحفظ عليك من لا يغفل ، فداو دينك فقد دخله سقم ، وهئ
زادك فقد حضر السفر البعيد - وما يخفى على الله من شئ في الأرض ولا في السماء - والسلام . وقال سفيان : في
جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزائرون للملوك . وعن الأوزاعي : ما من شئ أبعض إلى الله من عالم يزور عاملا .
وعن محمد بن مسلمة : الذباب على العذرة أحسن من قارئ على باب هؤلاء . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
( من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه ) . ولقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية هل
يسقى شربة ماء ؟ فقال لا ، فقيل له يموت ، فقال : دعه يموت ( وما لكم من دون الله من أولياء ) حال من قوله
فتمسكم : أي فتمسكم النار وأنتم على هذه الحال ، ومعناه : وما لكم من دون الله من أنصار يقدرون على منعكم
من عذابه لا يقدر على منعكم منه غيره ( ثم لا تنصرون ) ثم لا ينصركم هو لأنه وجب في حكمته تعذيبكم وترك الإبقاء
عليكم . فإن قلت : فما معنى ثم ؟ قلت : معناها الاستبعاد لأن النصرة من الله مستبعدة مع استيجابهم العذاب
واقتضاء حكمته له ( طرفي النهار ) غدوة وعشية ( وزلفا من الليل ) وساعات من الليل وهى ساعاته القريبة من آخر
النهار ، من أزلفه إذا قربه وازدلف إليه . وصلاة الغدوة الفجر ، وصلاة العشية الظهر والعصر ، لأن ما بعد
الزوال عشى ، وصلاة الزلف المغرب والعشاء ، وانتصاب طرفي النهار على الظرف لأنهما مضافان إلى الوقت