إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين . وما كان
ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون . ولو شاء ربك لجعل الناس أمة
واحدة ولا يزالون مختلفين . إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم
شرح
إيقاعه بهم لإشفاقهم ( إلا قليلا ) استثناء منقطع معناه : ولكن قليلا ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد وسائرهم
تاركون للنهي . ومن في ( ممن أنجينا ) حقها أن تكون للبيان لا للتبعيض لأن النجاة إنما هي للناهين وحدهم بدليل
قوله تعالى - أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا - فإن قلت : هل لوقوع هذا الاستثناء متصلا وجه
يحمل عليه ؟ قلت : إن جعلته متصلا على ما عليه ظاهر الكلام كان المعنى فاسدا لأنه يكون تحضيضا لأولى البقية
على النهى عن الفساد إلا للقليل من الناجين منهم كما تقول : هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم ، تريد استثناء
الصلحاء من المحضضين على قراءة القرآن . وإن قلت في تحضيضهم على النهى عن الفساد معنى نفيه عنهم فكأنه قيل
: ما كان من القرون أولو بقية إلا قليلا كان استثناء متصلا ومعنى صحيحا ، وكان انتصابه على أصل الاستثناء ،
وأن كان الأفصح أن يرفع على البدل ( واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه ) أراد بالذين ظلموا تاركي النهى عن
المنكرات : أي لم يهتموا بما هو ركن عظيم من أركان الدين وهو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وعقدوا
هممهم بالشهوات واتبعوا ما عرفوا فيه التنعم والتترف من حب الرياسة والثروة وطلب أسباب العيش والهنئ ،
ورفضوا ما وراء ذلك ونبذوه وراء ظهورهم . وقرأ أبو عمرو في رواية الجعفي : وأتبع الذين ظلموا ، يعنى وأتبعوا
جزاء ما أترفوا فيه . ويجوز أن يكون المعنى في القراءة المشهورة أنهم اتبعوا جزاء إترافهم ، وهذا معنى قوى لتقدم
الإيحاء كأنه قيل : إلا قليلا ممن أنجينا منهم وهلك السائر . فإن قلت : علام عطف قوله - واتبع الذين ظلموا - ؟
قلت : إن كان معناه واتبعوا الشهوات كان معطوفا على مضمر ، لأن المعنى إلا قليلا ممن أنجينا منهم نهوا عن
الفساد ، واتبع الذين ظلموا شهواتهم ، فهو عطف على نهوا ، وإن كان معناه : واتبعوا جزاء الإتراف ، فالواو
للحال كأنه قيل : أنجينا القليل وقد اتبع الذين ظلموا جزاءهم . فأن قلت : فقوله ( وكانوا مجرمين ) . قلت : على
أترفوا : أي اتبعوا الإتراف ، وكونهم مجرمين لأن تابع الشهوات مغمور بالآثام ، أو أريد بالإجرام إغفالهم للشكر
أو على اتبعوا : أي اتبعوا شهواتهم وكانوا مجرمين بذلك ، ويجوز أن يكون اعتراضا وحكما عليهم بأنهم قوم
مجرمين ( كان ) بمعنى صح واستقام . واللام لتأكيد النفي و ( بظلم ) حال من الفاعل ، والمعنى : واستحال في
الحكمة أن يهلك الله القرى ظالما لها ( وأهلها ) قوم ( مصلحون ) تنزيها لذاته عن الظلم وإيذانا بأن إهلاك المصلحين
من الظلم . وقيل الظلم الشرك ومعناه : أنه لا يهلك القرى بسبب شرك أهلها وهم مصلحون يتعاطون الحق فيما بينهم ،
ولا يضمون إلى شركهم فساد آخر . ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ) يعنى لاضطرهم إلى أن يكونوا
أهل أمة واحدة : أي ملة واحدة وهى ملة الإسلام كقوله - إن هذه أمتكم أمة واحدة - وهذا الكلام يتضمن نفى
الاضطرار ، وأنه لم يضطرهم إلى الاتفاق على دين الحق ، ولكنه مكنهم من الاختيار الذي هو أساس التكليف ،
فاختار بعضهم الحق وبعضهم الباطل ، فاختلفوا فلذلك قال ( ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ) إلا ناسا هداهم
الله ولطف بهم فاتفقوا على دين الحق غير مختلفين فيه ( ولذلك خلقهم ) ذلك إشارة إلى ما دل عليه الكلام الأول