وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص . ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا
كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم وإنهم لفى شك منه مريب . وإن كلا لما
ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير . فاستقم كما أمرت ومن تاب معك
ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير .
شرح
مصدرية وموصولة : أي من عبادتهم وكعبادتهم ، أو مما يعبدون من الأوثان ومثل ما يعبدون منها ( وأنا لموفوهم
نصيبهم ) قال أي حظهم من العذاب كما وفينا آباءهم أنصباءهم . فإن قلت : كيف نصب ( غير منقوص ) حالا
عن النصيب الموفى ؟ قلت : يجوز أن يوفى وهو ناقص ، ويوفى وهو كامل ؟ ألا تراك تقول وفيته شطر حقه
وثلث حقه وحقه كاملا وناقصا ( فاختلف فيه ) آمن به قوم وكفر به قوم كما اختلف في القرآن ( ولولا كلمة )
يعنى كلمة الإنظار أي يوم القيامة ( لقضى بينهم ) بين قوم موسى أو قومك وهذه من جملة التسلية أيضا ( وإن كلا
التنوين عوض من المضاف إليه : يعنى وإن كلهم وإن جميع المختلفين فيه ( ليوفينهم ) جواب قسم محذوف . واللام
في لما موطئة للقسم وما مزيدة . والمعنى : وإن جميعهم والله ليوفيهم ( ربك أعمالهم ) من حسن وقبيح وإيمان
وجحود . وقرئ وإن كلا بالتخفيف على إعمال المخففة عمل الثقيلة اعتبارا لأصلها لذي هو التثقيل ، وقرأ أبى :
وإن كل لما ليوفينهم ، على أن إن نافية ولما بمعنى إلا ، وقراءة عبد الله مفسرة لها : وإن كل إلا ليوفينهم . وقرأ
الزهري وسليمان بن أرقم : وإن كلا لما ليوفينهم بالتنوين كقوله - أكلا لما - والمعنى : وإن كلا ملمومين بمعنى
مجموعين كأنه قيل : وإن كلا جميعا كقوله - فسجد الملائكة كلهم أجمعون ( فاستقم كما أمرت ) فاستقم استقامة
مثل الاستقامة التي أمرت بها على جادة الحق غير عادل عنها ( ومن تاب معك ) معطوف على المستتر في استقم
وإنما جاز العطف عليه ولم يؤكد بمنفصل لقيام الفاصل مقامه . والمعنى : فاستقم أنت وليستقم من تاب عن الكفر
وآمن معك ( ولا تطغوا ) ولا تخرجوا عن حدود الله ( إنه بما تعملون بصير ) عالم فهو مجازيكم به فاتقوه . وعن
ابن عباس : ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع القرآن آية كانت أشد ولا أشق عليه من هذه
الآية ، ولهذا قال ( شيبتني هود والواقعة وأخواتهما ) وروى ( أن أصحابه قالوا له : لقد أسرع فيك الشيب ،
فقال : شيبتني هود ) وعن بعضهم ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت له : روى عنك أنك
قلت شيبتني هود ، فقال نعم ، فقلت : ما الذي شيبك منها أقصص الأنبياء وهلاك الأمم ؟ قال لا ، ولكن قوله :
فاستقم كما أمرت ) . وعن جعفر الصادق رضي الله عنه : فاستقم كما أمرت ، قال : افتقر إلى الله بصحة العزم .