إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد . وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها
ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ . فلا تك في مرية مما
يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل
شرح
الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء - ولأنه لابد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم ، إما سماء يخلقها الله أو يظلهم
العرش ، وكل ما أظلك فهو سماء . والثاني أن يكون عبارة عن التأييد ونفى الانقطاع كقول العرب : ما دام تعار ،
وما أقام ثبير ، وما لاح كوكب ، وغير ذلك من كلمات التأبيد . فأن قلت : فما معنى الاستثناء من الخلود في قوله ( إلا ما شاء
ربك ) وقد ثبت خلود أهل الجنة والنار في الأبد من غير استثناء ؟ قلت : هو استثناء من الخلود في عذاب النار
ومن الخلود في نعيم الجنة ، وذلك أن أهل النار لا يخلدون في عذاب النار وحده ، بل يعذبون بالزمهرير وبأنواع
من العذاب سوى عذاب النار بما هو أغلظ منها كلها ، وهو سخط الله عليهم وخسؤه لهم وإهانته إياهم . وكذلك
أهل الجنة لهم سوى الجنة ما هو أكبر منها وأجل موقعا منهم ، وهو رضوان الله كما قال - وعد الله المؤمنين
والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر - ولهم
ما يتفضل الله به عليهم سوى ثواب الجنة مما لا يعرف كنه إلا هو ، فهو المراد بالاستثناء . والدليل عليه قوله - عطاء
غير مجذوذ - ومعنى قوله في مقابلته ( إن ربك فعال لما يريد ) أنه يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب كما يعطى
أهل الجنة عطاءة الذي لا انقطاع له ، فتأمله فإن القرآن يفسر بعضه بعضا ، ولا يخدعنك عنه قول المجبرة : إن
المراد بالاستثناء خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة ، فإن الاستثناء الثاني ينادى على تكذيبهم ويسجل بافترائهم ،
وما ظنك بقوم نبذوا كتاب الله لما روى لهم بعض النوابت عن عبد الله بن عمرو بن العاص : ليأتين على جهنم
يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابا . وقد بلغني أن من الضلال من اغتر بهذا
الحديث فاعتقد أن الكفار لا يخلدون في النار ، وهذا ونحوه والعياذ بالله من الخذلان المبين ، زادنا الله هداية إلى
الحق ومعرفة بكتابة وتنبيها على أن نعقل عنه . ولئن صح هذا عن ابن ابن العاص فمعناه أنهم يخرجون من حر النار
إلى برد الزمهرير ، فذلك خلو جهنم وصفق أبوابها . وأقول : ما كان لابن العاص عمرو في سيفيه ومقاتلته بهما علي بن أبي
طالب رضي الله عنه ما يشغله عن تسيير هذا الحديث ( غير مجذوذ ) غير مقطوع ولكنه ممتد إلى غير نهاية
كقوله - لهم أجر غير ممنون - لما قص قصص عبدة الأوثان وذكر ما أحل بهم من نقمه وما أعد لهم من عذابه
قال ( فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ) أي فلا تشك بعد ما أنزل عليك من هذه القصص في سوء عاقبة عبادتهم
وتعرضهم بها لما أصاب أمثالهم قبلهم ، تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعدة بالانتقام منهم ووعيدا لهم ، ثم
قال ( ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم ) يريد أن حالهم في الشرك مثل حال آبائهم من غير تفاوت بين الحالين ، وقد
بلغك ما نزل بآبائهم فسينزلن بهم مثله ، وهو استئناف معناه تعليل النهى عن المرية و ( ما ) في مما وكما يجوز أن تكون