وما نؤخره إلا لأجل معدود . يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقى وسعيد .
فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق . خالدين فيها ما دامت السماوات
والأرض
شرح
وصف ذلك اليوم بالهول والعظم وتميزه من بين الأيام ، فإن جعلته مشهودا في نفسه فسائر الأيام كذلك مشهودات
كلها ، ولكن يجعل مشهودا فيه حتى يحصل التميز كما تميز يوم الجمعة عن أيام الأسبوع بكونه مشهودا فيه دونها ،
ولم يجز أن يكون مشهودا في نفسه لأن سائر أيام الأسبوع مثله يشهدها كل من يشهده وكذلك قوله - فمن شهد
منكم الشهر فليصمه - الشهر منتصف ظرفا لا مفعولا به ، وكذلك الضمير في فليصمه . والمعنى : فمن شهد منكم
في الشهر فليصمه فيه : يعنى فمن كان منكم مقيما حاضرا لوطنه في شهر رمضان فليصم فيه ، ولو نصبته مفعولا
فالمسافر والمقيم كلاهما يشهدان الشهر ، لا يشهده المقيم ويغيب عنه المسافر . الأجل يطلق على مدة التأجيل كلها
وعلى منتهاها فيقولون : انتهى الأجل وبلغ الأجل آخره ، ويقولون حل الأجل - فإذا جاء أجلهم - يراد آخر مدة
التأجيل ، والعد إنما هو للمدة لا لغايتها ومنتهاها ، فمعنى قوله ( وما نؤخره إلا لأجل معدود ) إلا لانتهاء مدة
معدودة بحذف المضاف . وقرئ وما يؤخره بالياء . قرئ يوم يأت بغير ياء ونحوه قولهم لا أدر حكاه الخليل
وسيبويه ، وحذف الياء والاجتزاء عنها بالكسرة كثير في لغة هذيل . فإن قلت : فاعل يأتي ما هو ؟ قلت : الله عز
وجل كقوله - هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله - أو يأتي ربك - وجاء ربك - وتعضده قراءة من قرأ : وما يؤخره بالياء
وقوله بإذنه . ويجوز أن يكون الفاعل ضمير اليوم كقوله تعالى - أن تأتيهم الساعة - فإن قلت : بما انتصب
الظرف ؟ قلت : إما أن ينتصب بلا تكلم ، وإما بإضمار أذكر ، وإما بالانتهاء المحذوف في قوله - إلا لأجل معدود
أي ينتهى الأجل يوم يأتي . فإن قلت : فإذا جعلت الفاعل ضمير اليوم فقد جعلت اليوم وقتا لإتيان اليوم وحددت
الشئ بنفسه ؟ قلت المراد إتيان هو له وشدائده ( لاتكلم ) لا تتكلم وهو نظير قوله - لا يتكلمون إلا من أذن له
الرحمن - . فإن قلت : كيف يوفق بين هذا وبين قوله تعالى - يوم تأتى كل نفس تجادل عن نفسها - وقوله تعالى
- هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون - ؟ قلت : ذلك يوم طويل له مواقف ومواطن : ففي بعضها يجادلون
عن أنفسهم ، وفى بعضها يكفون عن الكلام فلا يؤذن لهم ، وفى بعضها يؤذن لهم فيتكلمون ، وفى بعضها يختم على
أفواههم وتكلمهم أيديهم وتشهد أرجلهم ( فمنهم ) الضمير لأهل الموقف ، ولم يذكروا لأن ذلك معلوم ولأن
قوله - لاتكلم نفس - يدل عليه ، وقد مر ذكر الناس في قوله - مجموع له الناس - . والشقي الذي وجبت له النار
لإساءته . والسعيد الذي وجبت له الجنة لإحسانه . قراءة العامة بفتح الشين . وعن الحسن شقوا بالضم كما قرئ
سعدوا . والزفير : إخراج النفس . والشهيق : رده ، قال الشماخ :
بعيد مدى التطريب أول صوته زفير ويتلوه شهيق محشرج
( ما دامت السماوات والأرض ) فيه وجهان : أحدهما أن تراد سماوات الآخرة وأرضها وهى دائمة مخلوقة للأبد .
والدليل على أن لها سماوات وأرضا قوله تعالى - يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات - وقوله - وأورثنا