قال إني أشهد الله واشهدوا أنى برئ مما تشركون . من دونه فكيدوني جميعا ثم
لا تنظرون . إني توكلت على الله ربى وربكم مامن دابة إلا هو آخذ بناصيتها
شرح
وعداوتك لها مكافأة منها على سوء فعلك بسوء الجزاء ، فمن ثم تتكلم بكلام المجانين وتهذى بهذيان المبرسمين ،
وليس بعجب من أولئك أن يسمو التوبة والاستغفار خبلا وجنونا وهم عاد أعلام الكفر وأوتاد الشرك ، وإنما
العجب من قوم من المتظاهرين بالإسلام سمعناهم يسمون التائب من ذنوبه مجنونا ، والمنيب إلى ربه مخبلا ، ولم
نجدهم معه على عشر مما كانوا عليه في أيام جاهليته من الموادة ، وما ذاك إلا لعرق من الإلحاد أبى إلا أن ينبض ،
وضب من الزندقة أراد أن يطلع رأسه ، وقد دلت أجوبتهم المتقدمة على أن القوم كانوا جفاة غلاظ الأكباد
لا يبالون بالبهت ولا يلتفتون إلى النصح ولا تلين شكيمتهم للرشد ، وهذا الأخير دال على جهل مفرط وبله متناه ،
حيث اعتقدوا في حجارة أنها تنتصر وتنتقم ، ولعلهم حين أجازوا العقاب كانوا يجيزون الثواب . من أعظم
الآيات أن يواجه بهذا الكلام رجل واحد أمة عطاشا إلى إراقة دمه يرمونه عن قوس واحدة ، وذلك لثقته بربه
وأنه يعصمه منهم فلا تنشب فيه مخالبهم ، ونحو ذلك قال نوح عليه السلام لقومه - ثم اقضوا إلى ولا تنظرون -
أكد براءته من آلهتهم وشركهم ووثقها بما جرت به عادة الناس من توثيقهم الأمور بشهادة الله وشهادة العباد ،
فيقول للرجل : الله شهيد على أنى لا أفعل كذا ، ويقول لقومه : كونوا شهداء على أنى لا أفعله . فإن قلت : هلا
قيل إني أشهد الله وأشهدكم ؟ قلت : لأن إشهاد الله على البراءة من الشرك إشهاد صحيح ثابت في معنى تثبيت التوحيد
وشد معاقدة . وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بدينهم ودلالة على قلة المبالاة بهم فحسب ، فعدل به عن لفظ الأول
لاختلاف ما بينهما وجئ به على لفظ الأمر بالشهادة كما يقول الرجل لمن يبس الثرى بينة وبينه : اشهد على أنى
لا أحبك ، تهكما به واستهانة بحاله ( مما تشركون من دونه ) من إشراككم آلهة من دونه أو مما تشركونه من آلهة من
دونه أي أنتم تجعلونها شركاء له ولم يجعلها هو شركاء ولم ينزل بذلك سلطانا ( فكيدوني جميعا ) أنتم وآلهتكم أعجل
ما تفعلون من غير انتظار ، فإني لا أبالي بكم وبكيدكم ولا أخاف معرتكم وإن تعاونتم على وأنتم الأقوياء الشداد ،
فكيف تضرني آلهتكم وما هي إلا جماد إلا تضر ولا تنفع ؟ وكيف تنتقم منى إذا نلت منها وصددت عن عبادتها بأن
تخبله وتذهب بعقلي . ولما ذكر توكله على الله وثقته بحفظه وكلاءته من كيدهم وصفه بما يوجب التوكل عليه من