فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم
في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون .
فليضحكوا قليلا وليبكوا كيرا جزاءا بما كانوا يكسبون .
شرح
لهم ، وأن فيه معنى الشرط ، وذكرنا النكتة في المجئ به على لفظ الأمر ، والسبعون جار مجرى المثل في كلامهم
للتكثير ، قال علي بن أبي طالب عليه السلام :
لأصبحن العاص وابن العاصي * سبعين ألفا عاقدي النواصي
فإن قلت : كيف خفى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أفصح العرب وأخبرهم بأساليب الكلام
وتمثيلاته . والذي يفهم من ذكر هذا العدد كثرة الاستغفار ، كيف وقد تلاه بقوله - ذلك بأنهم كفروا - الآية .
فبين الصارف عن المغفرة لهم حتى قال : قد رخص لي ربى فسأزيد على السبعين ؟ قلت : لم يخف عليه ذلك ،
ولكنه خيل بما قال إظهارا لغاية رحمته ورأفته على من بعث إليه كقول إبراهيم عليه السلام - ومن عصاني فإنك
غفور رحيم - وفي إظهار النبي صلى الله عليه وسلم الرأفة والرحمة لطف لأمته ودعاء لهم إلى ترحم بعضهم على بعض
المخلفون ( الذين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين فأذن لهم وخلفهم في المدينة في غزوة تبوك ،
أو الذين خلفهم كسلهم ونفاقهم والشيطان ( بمقعدهم ) بقعودهم عن الغزو ( خلاف رسول الله ) خلفه يقال أقام
خلاف الحي بمعنى بعدهم ظعنوا ولم يطعن معهم ، وتشهد له قراءة أبى حياة " خلف رسول الله " وقيل هو بمعنى
المخالفة لأنهم خالفوه حيث قعدوا ونهض ، وانتصابه على أنه مفعول له أو حال : أي قعدوا لمخالفته أو مخالفين له
( أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ) تعريض بالمؤمنين وبتحملهم المشاق العظام لوجه الله تعالى وبما فعلوا من بذل
أموالهم وأرواحهم في سبيل الله تعالى وإيثارهم ذلك على الدعة والخفض وكره ذلك المنافقون ، وكيف لا يكرهونه
وما فيهم ما في المؤمنين من باعث الإيمان وداعي الإيقان ( قل نار جهنم أشد حرا ) استجهال لهم لأن من تصون من
مشقة ساعة ، فوقع بسبب ذلك التصون في مشقة الأبد كان أجهل من كل جاهل ، ولبعضهم :
مسرد أحقاب تلقيت بعدها * مساءة يوم أريها شبه الصاب
فيكف بأن تلقى مسرة ساعة * وراء تقضيها مساءة أحقاب
معناه : فسيضحكون قليلا ويبكون كثيرا ( جزاء ) إلا أنه أخرج على لفظ الأمر للدلالة على أنه حتم واجب