يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا
وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ، فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا
يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولى ولا نصير .
ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين . فلما آتاهم
من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون .
شرح
ويعيب المنافقين المتخلفين من معه منهم ، منهم الجلاس بن سويد ، فقال الجلاس : والله لئن كان ما يقول
محمد حقا لإخواننا الذين خلفناهم وهم ساداتنا وأشرافنا فنحن شر من الحمير ، فقال عامر بن قيس الأنصاري :
للجلاس : أجل والله إن محمدا لصادق ، وأنت شر من الحمار ، وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحضر
فحلف بالله ما قال ، فرفع عامر يده فقال : اللهم أنزل على عبدك ونبيك تصديق الكاذب وتكذيب الصادق ،
فنزلت ( يحلفون بالله ما قالوا ) فقال الجلاس : يا رسول الله لقد عرض الله على التوبة والله لقد قلته وصدق عامر ،
فتاب الجلاس وحسنت توبته ( وكفروا بعد إسلامهم ) وأظهروا كفرهم بعد إظهارهم الإسلام ( وهموا بما لم
ينالوا ) وهو الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ذلك عند مرجعه من تبوك . تواثق خمسة عشر منهم على أن
يدفعوه عن راحلته إلى الوادي إذا تسنم العقبة بالليل ، فأخذ عمار بن ياسر بخطام راحلته يقودها وحذيفة خلفها
يسوقها ، فبينما هما كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الإبل وبقعقعة السلاح فالتفت فإذا قوم متلثمون ، فقال :
إليكم إليكم يا أعداء الله فهربوا . وقيل هم المنافقون بقتل عامر لرده على الجلاس ، وقيل أرادوا أن يتوجوا عبد الله
ابن أبي وإن لم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وما نقموا ) وما أنكروا وما عابوا ( إلا أن أغناهم الله ) وذلك
أنهم كانوا حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في ضنك من العيش لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة
فأثروا بالغنائم ، وقتل للجلاس مولى فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته اثنى عشر ألفا فاستغنى ( فإن يتوبوا )
هي الآية التي تاب عندها الجلاس ( في الدنيا والآخرة ) بالقتل والنار . روى " أن ثعلبة بن حاطب قال : يا رسول
الله ادع الله أن يرزقني مالا ، فقال صلى الله عليه وسلم : يا ثعلبة قليل تؤدى شكره خير من كثير لا تطيقه ، فراجعه
وقال : والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالا لأعطين كل ذي حق حقه ، فدعا فاتخذ غنما فنمت كما ينمى الدود
حتى ضاقت بها المدينة ، فنزل واديا وانقطع عن الجماعة والجمعة ، فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقيل : كثر ماله حتى لا يسعه واد ، فقال : يا ويح ثعلبة ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقين لأخذ
الصدقات ، فاستقبلهما الناس بصدقاتهم ، ومرا بثعلبة فسألاه الصدقة وأقرأه كتاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم الذي فيه الفرائض ، فقال : ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية ، وقال : ارجعا حتى أرى رأيي ، فلما
رجعا قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يكلماه : يا ويح ثعلبة مرتين ، فنزلت فجاءه ثعلبة بالصدقة
فقال : إن الله منعني أن أقبل منك ، فجعل التراب على رأسه ، فقال : هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني ، فقبض
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء بها إلى أبى بكر رضي الله عنه فلم يقبلها ، وجاء بها إلى عمر رضي الله عنه
في خلافته فلم يقبلها ، وهلك في زمان عثمان رضي الله عنه " وقرئ لنصدقن ، ولنكونن بالنون الخفيفة فيهما
( من الصالحين ) قال ابن عباس رضي الله عنه : يريد الحج " فأعقبهم ) عن الحسن وقتادة رضي الله عنهما أن