والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر
ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله
عزيز حكيم . وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها
ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم .
يا أيها النبي جاهدا لكفار والمنافقين وأغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير .
شرح
حكيم لا يجوز عليه القبيح وأن يعاقبهم بغير جرم ، ولكن ظلموا أنفسهم حيث كفروا به فاستحقوا عقابه ( بعضهم
أولياء بعض ) في مقابلة قوله في المنافقين - بعضهم من بعض - ( سيرحمهم الله ) السين مفيدة وجود الرحمة لا محالة ، فهي
تؤكد الوعد كما تؤكد الوعيد في قولك : سأنتقم منك يوما ، تعنى أنك لا تفوتني وإن تباطأ ذلك ، ونحوه - سيجعل
لهم الرحمن ودا - ولسوف يعطيك ربك فترضى - سوف يؤتيهم أجورهم - ( عزيز ) غالب على كل شئ قادر عليه
فهو يقدر على الثواب والعقاب ( حكيم ) واضع كلام موضعه على حسب الاستحقاق ( ومساكن طيبة ) عن الحسن
قصورا من اللؤلؤ والياقوت الأحمر والزبرجد . وعدن علم بدليل قوله - جنات عدن التي وعد الرحمن - ويدل عليه
ما روى أبو الدرداء رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " عدن دار الله التي لم ترها عين ولم تخطر على
قلب بشر لا يسكنها غير ثلاثة : النبيون والصديقون والشهداء ، يقول الله تعالى : طوبى لمن دخلك " وقيل هي
مدينة في الجنة ، وقيل نهر جناته على حافاته ( ورضوان من الله أكبر ) وشئ من رضوان الله أكبر من ذلك كله
لأن رضاه هو سبب كل فوز وسعادة ولأنهم ينالون برضاه عنهم تعظيمه وكرامته والكرامة أكبر أصناف الثواب ،
ولأن العبد إذا علم أن مولاه راض عنه فهو أكبر في نفسه مما وراءه من النعم وإنما تتهنأ له برضاه ، كما إذا علم
بسخطته تنغصت عليه ولم يجد لها لذة وإن عظمت . وسمعت بعض أولى الهمة البعيدة والنفس المرة من مشايخنا
يقول : لا تطمح عيني ولا تنازع نفسي إلى شئ مما وعد الله في دار الكرامة كما تطمح وتنازع إلى رضاه عنى ،
وأن أحشر في زمرة المهذبين المرضيين عنده ( ذلك ) إشارة إلى ما وعد الله أو إلى الرضوان : أي ( هو الفوز العظيم )
وحده دون ما يعده الناس فوزا . وروى " أن الله عز وجل يقول لأهل الجنة هل رضيتم ؟ فيقولون : وما لنا
لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك ، فيقول ، أنا أعطيكم أفضل من ذلك ، قالوا : وأي شئ أفضل
من ذلك ؟ قال : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا " ( جاهد الكفار ) بالسيف ( والمنافقين ) بالحجة
( وأغلظ عليهم ) في الجهادين جميعا ولا تحابهم وكل من وقف منه على فساد في العقيدة فهذا الحكم ثابت فيه
يجاهد بالحجة وتستعمل معه الغلظة ما أمكن منها . عن ابن مسعود " إن لم يستطع بيده فبلسانه ، فإن لم يستطع
فليكفهر في وجهه ، فإن لم يستطع فبقلبه " يريد الكراهة والبغضاء والتبرء منه ، وقد حمل الحسن جهاد المنافقين على
إقامة الحدود عليهم إذا تعاطوا أسبابها . أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن