إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون . ولا تعجبك أموالهم وأولادهم
إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون . وإذا أنزلت
سروة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن
مع القاعدين . رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون .
لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات
وأولئك هم المفلحون . أعد الله لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها
ذلك الفوز العظيم . وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا
الله ورسوله
شرح
على تقدير الكون والوجود لأنه كائن موجود لا محالة ( إنهم كفروا ) تعليل للنهي ، وقد أعيد قوله ( ولا تعجبك
لأن تجدد النزول له شأن في تقرير ما نزل له وتأكيده وإرادة أن يكون على بال من المخاطب لا ينساه ولا يسهو عنه ،
وأن يعتقد أن العمل به مهم يفتقر إلى فضل عناية به ، لا سيما إذا تراخى ما بين النزولين ، فأشبه الشئ الذي أهم
صاحبه فهو يرجع إليه في أثناء حديثه ويتخلص إليه ، وإنما أعيد هذا المعنى لقوته فيما يجب أن يحذر منه . يجوز
أن يراد السورة بتمامها وأن يراد بعضها في قوله ( وإذا أنزلت سورة ) كما يقع القرآن والكتاب على كله وعلى بعضه .
وقيل هي براءة لأن فيها الأمر بالإيمان والجهاد ( أن آمنوا ) هي أن المفسرة ( أولوا الطول ) ذو والفضل والسعة من
طال عليه طولا ( مع القاعدين ) مع الذين لهم علة وعذر في التخلف ( فهم لا يفقهون ) ما في الجهاد من الفوز
والسعادة ، وما في التخلف من الشقاء والهلاك ( لكن الرسول ) أي إن تخلف هؤلاء فقد نهد إلى الغزو من هو خير
منهم وأخلص نية ومعتقدا كقوله - فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما - فإن استكبروا فالذين عند ربك -
( الخيرات ) تتناول منافع الدارين لإطلاق اللفظ . وقيل الحور لقوله - فيهن خيرات - ( المعذرون ) من عذر في
الأمر إذا قصر فيه وتوانى ولم يجد ، وحقيقته أن يوهم أن له عذرا فيما يفعل ولا عذر له ، أو المعتذرون بإدغام
التاء في الذال ونقل حركتها إلى العين ، ويجوز في العربية كسر العين لالتقاء الساكنين وضمها لاتباع الميم ، ولكن
لم تثبت بهما القراءة وهم الذين يعتذرون بالباطل كقوله - يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم - وقرئ المعذرون
بالتخفيف وهو الذي يجتهد في العذر ويحتشد فيه . قيل هم أسد وغطفان قالوا : إن لنا عيالا وإن بنا جهدا فأذن لنا
في التخلف . وقيل هم رهط عامر بن الطفيل قالوا : إن غزونا معك أغارت أعراب طي على أهالينا ومواشينا ،
فقال صلى الله عليه وسلم : سيغنيني الله عنكم . وعن مجاهد : نفر من غفار اعتذروا فلم يعذر هم الله تعالى . وعن
قتادة اعتذروا بالكذب . وقرئ المعذرون بتشديد العين والذال من تعذر بمعنى اعتذر ، وهذا غير صحيح لأن
التاء لا تدغم في العين إدغامها في الطاء والزاي والصاد في المطوعين وأزكى واصدق . وقيل أريد المعتذرون بالصحة
وبه فسر المعذرون ، والمعذرون على قراءة ابن عباس رضي الله عنه : الذين لم يفرطوا في العذر ( وقعد الذين كذبوا
الله ورسوله ) هم منافقوا لأعراب الذين لم يجيئوا ولم يعتذروا وظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم