فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا
يكذبون . ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب . الذين
يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون
منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم . استغفر لهم أولا تستغفر لهم إن تستغفر
لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدى
القوم الفاسقين .
شرح
الضمير للبخل : يعنى فأورثهم البخل ( نفاقا ) متمكنا ( في قلوبهم ) لأنه كان سببا فيه وداعيا إليه ، والظاهر أن
الضمير لله عز وجل ، والمعنى : فخذلهم حتى نافقوا وتمكن في قلوبهم نفاقهم فلا ينفك عنها إلى أن يموتوا بسبب
إخلافهم ما وعدوا الله من التصدق والصلاح وكونهم كاذبين ، ومنه جعل خلف الوعد ثلث النفاق . وقرئ
يكذبون بالتشديد ، وألم تعلموا بالتاء . عن علي رضي الله عنه ( سرهم ونجواهم ) ما أسروه من النفاق والعزم على
إخلاف ما وعدوه وما يتناجون به فيما بينهم من المطاعن في الدين وتسمية الصدقة جزية وتدبير منعها ( الذين
يلمزون ) محله النصب أو الرفع على الذم ، ويجوز أن يكون في محل الجر بدلا من الضمير في سرهم ونجواهم .
وقرئ يلمزون بالضم ( المطوعين ) المتطوعين المتبرعين . روى " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حث على
الصدقة ، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب ، وقيل بأربعة آلاف درهم وقال : كان لي ثمانية
آلاف فأقرضت ربى أربعة وأمسكت أربعة لعيالي ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : بارك الله لك فيما
أعطيت وفيما أمسكت ، فبارك الله له حتى صولحت تماضر امرأته عن ربع الثمن على ثمانين ألفا " وتصدق عاصم بن عدي
بمائة وسق من تمر . وجاء أبو عقيل الأنصاري رضي الله عنه بصاع من تمر فقال : بت ليلتي أجر بالجرير
على صاعين ، فتركت صاعا لعيالي وجئت بصاع ، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينثره على الصدقات ،
فلمزهم المنافقون وقالوا : ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا رياء ، وإن كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبى عقيل ،
ولكنه أحب أن يذكر بنفسه ليعطى من الصدقات ، فنزلت ( إلا جهدهم ) إلا طاقتهم . قرئ بالفتح والضم ( سخر
الله منهم ) كقوله - الله يستهزئ بهم - في أنه خبر غير دعاء . ألا ترى إلى قوله ( ولهم عذاب أليم ) سأل عبد الله
ابن عبد الله بن أبي رسول الله صلى عليه وسلم وكان رجلا صالحا أن يستغفر لأبيه في مرضه ففعل ، فنزلت
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله قد رخص لي فسأزيد على السبعين ، فنزلت - سواء عليهم استغفرت
لهم أم لم تستغفر لهم - وقد ذكرنا أن هذا الأمر في معنى الخبر كأنه قيل : لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أم لم تستغفر