تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون . فلما نسوا
ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا
هم مبلسون . فقطع دابر القوم الذين ظلموا ، والحمد لله رب العالمين . قل أرأيتم
إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به ؟ انظر
كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون . قل أرأيتم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة
هل يهلك إلا القوم الظالمون . وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين .
شرح
تضرعوا ) معناه نفي التضرع كأنه قيل : فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا ، ولكنه جاء بلولا ليفيد أنه لم يكن لهم عذر
في ترك التضرع إلا عنادهم وقسوة قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم ( فلما نسوا ما ذكروا به ) من
البأساء والضراء : أي تركوا الاتعاظ به ولم ينفع فيهم ولم يزجرهم ( فتحنا عليهم أبواب كل شئ ) من الصحة
والسعة وصنوف النعمة ليزاوج عليهم بين نوبتي الضراء والسراء كما يفعل الأب المشفق بولده يخاشنه تارة ويلاطفه أخرى طلبا
لصلاحه ( حتى إذا فرحوا بما أوتوا ) من الخير والنعم لم يزيدوا على الفرح والبطر من غير انتداب لشكر ولا تصد لتوبة
واعتذار ( أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ) واجمون متحسرون آيسون ( فقطع دابر القوم ) آخرهم لم يترك منهم أحد
قد استؤصلت شأفتهم ( والحمد لله رب العالمين ) إيذان بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة وأنه من أجل النعم
وأجزل القسم . وقرئ فتحنا بالتشديد ( إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم ) بأن يصمكم ويعميكم ( وختم على قلوبكم )
بأن يغطي عليها ما يذهب عنده فهمكم وعقلكم ( يأتيكم به ) أي يأتيكم بذاك إجراء للضمير مجرى اسم الإشارة أو بما
أخذ وختم عليه ( يصدفون ) يعرضون عن الآيات بعد ظهورها . لما كانت البغتة أن يقع الامر من غير أن يشعر به
وتظهر أماراته قيل ( بغتة أو جهرة ) وعن الحسن ليلا أو نهارا ، وقرئ بغتة أو جهرة ( هل يهلك ) أي ما يهلك
هلاك تعذيب وسخط إلا الظالمون . وقرئ هل يهلك بفتح الياء ( مبشرين ومنذرين ) من آمن بهم وبما جاءوا به
وأطاعهم ومن كذبهم وعصاهم ولم يرسلهم ليتلهى بهم ويقترح عليهم الآيات بعد وضوح أمرهم بالبراهين القاطعة