لا يعلمون . وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ، ما فرطنا في
الكتاب من شئ ، ثم إلى ربهم يحشرون . والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في
الظلمات ، من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم
شرح
لا يعلمون ) أن الله قادر على أن ينزل تلك الآية وأن صارفا من الحكمة يصرفه عن إنزالها ( أمم أمثالكم ) مكتوبة
أرزاقها وآجالها وأعمالها كما كتبت أرزاقكم وآجالكم وأعمالكم ( ما فرطنا ) ما تركنا وما أغفلنا ( في الكتاب ) في
اللوح المحفوظ ( من شئ ) من ذلك لم نكتبه ولم نثبت ما وجب أن يثبت مما يختص به ( ثم إلى ربهم يحشرون ) يعني
الأمم كلها من الدواب والطير فيعوضها وينصف بعضها من بعض ، كما روى أنه يأخذ للجماء من القرناء . فإن قلت :
كيف قيل إلا أمم مع إفراد الدابة والطائر ؟ قلت : لما كان قوله تعالى - وما من دابة في الأرض ولا طائر - دالا
على معنى الاستغراق ومغنيا عن أن يقال : وما من دواب ولا طير ، حمل قوله إلا أمم على المعنى . فإن قلت : هلا
قيل وما من دابة ولا طائر إلا أمم أمثالكم ، وما معنى زيادة قوله في الأرض ويطير بجناحيه ؟ قلت : معنى ذلك
زيادة التعميم والإحاطة ، كأنه قيل : وما من دابة قط في جميع الأرضين السبع وما من طائر قط في جو السماء من
جميع ما يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم محفوظة أحوالها غير مهمل أمرها . فإن قلت : فما الغرض في ذكر ذلك ؟
قلت : الدلالة على عظم قدرته ولطف علمه وسعة سلطانه وتدبيره تلك الخلائق المتفاوتة الأجناس المتكاثرة
الأصناف وهو حافظ لما لها وما عليها مهيمن على أحوالها لا يشغله شأن عن شأن ، وأن المكلفين ليسوا بمخصوصين
بذلك دون من عداهم من سائر الحيوان . وقرأ ابن أبي عبلة ولا طائر بالرفع على المحل ، كأنه قيل وما دابة ولا طائر .
وقرأ علقمة ما فرطنا بالتخفيف . فإن قلت : كيف أتبعه قوله ( والذين كذبوا بآياتنا ) ؟ قلت : لما ذكر من خلائقه
وآثار قدرته ما يشهد لربوبيته وينادي على عظمته ، قال : والمكذبون ( صم ) لا يسمعون كلام المنبه ( بكم )
لا ينطقون بالحق خابطون في ظلمات الكفر فهم غافلون عن تأمل ذلك والتفكر فيه ثم قال إيذانا بأنهم من أهل الطبع
( من يشأ الله يضلله ) أي يخذله ويخله وضلاله لم يلطف به لأنه ليس من أهل اللطف ( ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم