لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون . واتقوا
فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة
شرح
يقطع صلاته ( لما يحييكم ) من علوم الديانات والشرائع لأن العلم حياة كما أن الجهل موت ، ولبعضهم :
لا تعجبن الجهول حلته * فذاك ميت وثوبه كفن
وقيل لمجاهدة الكفار لأنهم لو رفضوها لغلبوهم وقتلوهم كقوله - ولكم في القصاص حياة - وقيل للشهادة
لقوله - بل أحياء عند ربهم - ( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ) يعنى أنه يميته فتفوته الفرصة التي هو واجدها
وهى التمكن من إخلاص القلب ومعالجة أدوائه وعلله ورده سليما كما يريده الله ، فاغتنموا هذه الفرصة وأخلصوا
قلوبكم لطاعة الله ورسوله ( واعلموا أنكم إليه تحشرون ) فيثيبكم على حسب سلامة القلوب وإخلاص
الطاعة . وقيل : معناه أن الله قد يملك على العبد قلبه فيفسخ عزائمه ويغير نياته ومقاصده ، ويبدله بالخوف أمنا ،
وبالذكر نسيانا وبالنسيان ذكرا وما أشبه ذلك مما هو جائز على الله تعالى ، فأما ما يثاب عليه العبد ويعاقب من أفعال
القلوب فلا ، والمجبرة على أنه يحول بين المرء الإيمان إذا كفر وبينه وبين الكفر إذا آمن - تعالى عما يقول الظالمون
علوا كبيرا - وقيل معناه : أنه يطلع على كل ما يخطره المرء بباله لا يخفى عليه شئ من ضمائره فكأنه بينه وبين قلبه
وقرئ بين المر بتشديد الراء ، ووجهه أنه قد حذف الهمزة وألقى حركتها على الراء كالخب ثم نوى الوقف على لغة
من يقول مررت بعمر ( فتنة ) ذنبا قيل هو إقرار المنكر بين أظهرهم ، وقيل افتراق الكلمة ، وقيل فتنة عذابا وقوله
( لا تصيبن ) لا يخلو من أن يكون جوابا للأمر أو نهيا بعد أمر أو صفة لفتنة ، فإذا كان جوابا فالمعنى : إن أصابتكم
لا تصب الظالمين منكم خاصة ولكنها تعمكم ، وهذا كما يحكى أن علماء بني إسرائيل نهوا عن المنكر تعذيرا فعمهم
الله بالعذاب ، وإذا كانت نهيا بعد أمر فكأنه قيل : واحذروا ذنبا أو عقابا ، ثم قيل : لا تتعرضوا للظلم فيصيب
العقاب أو أثر الذنب ووباله من ظلم منكم خاصة ، وكذلك إذا جعلته صفة على إرادة لقول كأنه قيل : واتقوا
فتنة مقولا فيها لا تصيبن ، ونظير قوله :
حتى إذا جن الظلام واختلط * جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط
أي بمذق مقول فيه هذا القول ، لأنه سمار فيه لون الورق التي هي لون الذئب ، ويعضد المعنى الأخير قراءة