كنتم مؤمنين . إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم
آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون . الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون .
أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم . كما أخرجك
ربك
شرح
كنتم مؤمنين ) إن كنتم كاملي الإيمان ، واللام في قوله ( إنما المؤمنون ) إشارة إليهم ، أي إنما الكاملو الإيمان من
صفتهم كيت وكيت ، والدليل عليه قوله - أولئك هم المؤمنون حقا - ( وجلت قلوبهم ) فزعت . وعن أم الدرداء
الوجل في القلب كاحتراق السعفة أما تجد له قشعريرة ؟ قال : بلى ، قالت : فادع الله فإن الدعاء يذهبه : يعنى
فزعت لذكره استعظاما له وتهيبا من جلاله وعزة سلطانه وبطشه بالعصاة وعقابه ، وهذا الذكر خلاف الذكر
في قوله - ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله - لأن ذلك ذكر رحمته ورأفته وثوابه . وقيل هو الرجل يريد أن
يظلم أو يهم بمعصية فيقال له اتق الله فينزع . وقرئ وجلت بالفتح وهى لغة نحو وبق في وبق ، وفى قراءة عبد الله
فرقت ( زادتهم إيمانا ) ازدادوا بها يقينا وطمأنينة نفس ، لأن تظاهر الأدلة أقوى للمدلول عليه وأثبت لقدمه وقد
حمل على زيادة العمل . وعن أبي هريرة رضي الله عنه : الإيمان سبع وسبعون شعبة : أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله
وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان . وعن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : إن للإيمان
سننا وفرائض وشرائع ، فمن استكملها استكمل الإيمان ، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان ( وعلى ربهم يتوكلون )
ولا يفوضون أمورهم إلى غير ربهم ، لا يخشون ولا يرجون إلا إياه . جمع بين أعمال القلوب من الخشية والإخلاص
والتوكل ، وبين أعمال الجوارح من الصلاة والصدقة ( حقا ) صفة للمصدر المحذوف : أي أولئك هم المؤمنون
إيمانا حقا ، أو هو مصدر مؤكد للجملة التي هي أولئك هم المؤمنون كقولك : هو عبد الله حقا : أي حق ذلك
حقا . وعن الحسن أن رجلا سأله أمؤمن أنت ؟ قال : الإيمان إيمانان : فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته
وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب فأنا مؤمن ، وإن كنت تسألني عن قوله - إنما المؤمنون -
فوالله لا أدرى أمنهم أنا أم لا ؟ وعن الثوري : من زعم أنه مؤمن بالله حقا ثم لم يشهد أنه من أهل الجنة فقد آمن
بنصف الآية ، وهذا إلزام منه : يعنى كما لا يقطع بأنه من أهل ثواب المؤمنين حقا فلا يقطع بأنه مؤمن حقا ، وبهذا
تعلق من يستثنى في الإيمان . وكان أبو حنيفة رضي الله عنه ممن لا يستثنى فيه ، وحكى عنه أنه قال لقتادة : لم
تستثنى في إيمانك ؟ قال : اتباعا لإبراهيم عليه السلام في قوله - والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين - فقال له
هلا اقتديت به في قوله - أو لم تؤمن قال بلى - ( درجات ) شرف وكرامة وعلو منزلة ( ومغفرة ) وتجاوز لسيئاتهم
( ورزق كريم ) نعيم الجنة : يعنى لهم منافع حسنة دائمة على سبيل التعظيم وهذا معنى الثواب ( كما أخرجك ربك )