إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على
ظهورهم ألا ساء ما يزرون . وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير
للذين يتقون ، أفلا يعقلون . قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ، فإنهم
لا يكذبونك ،
شرح
وسمي باسمها ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من مات فقد قامت قيامته " أو جعل مجئ الساعة بعد
الموت لسرعته كالواقع بغير فترة ( بغتة ) فجأة وانتصابها على الحال بمعنى باغتة أو على المصدر كأنه قيل بغتتهم
الساعة بغتة ( فرطنا فيها ) الضمير للحياة الدنيا جئ بضميرها وإن لم يجر لها ذكر لكونها معلومة ، أو للساعة على
معنى قصرنا في شأنها وفي الايمان بها كما تقول : فرطت في فلان ، ومنه فرطت في جنب الله ( يحملون أوزارهم على
ظهورهم ) كقوله : فبما كسبت أيديكم لأنه اعتيد حمل الأثقال على الظهور كما ألف الكسب بالأيدي ( ساء
ما يزرون ) بئس شيئا يزرون وزرهم كقوله : ساء مثلا القوم جعل أعمال الدنيا لعبا ولهوا واشتغالا بما لا يعنى ولا
يعقب منفعة كما تعقب أعمال الآخرة المنافع العظيمة ، وقوله ( للذين يتقون ) دليل على أن ما عدا أعمال المتقين
لعب ولهو . وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما ولدار الآخرة . وقرئ تعقلون بالتاء والياء . قد في ( قد نعلم ) بمعنى
ربما الذي يجئ لزيادة الفعل وكثرته كقوله : أخا ثقة لا تهلك الخمر ماله * ولكنه قد يهلك المال نائله
والهاء في ( إنه ) ضمير الشأن ( ليحزنك ) قرئ بفتح الياء وضمها ، و ( الذي يقولون ) هو قولهم ساحر
كذاب ( لا يكذبونك ) قرئ بالتشديد والتخفيف ، من كذبه إذا جعله كاذبا في زعمه ، وأكذبه إذا وجده كاذبا .
والمعنى : أن تكذيبك أمر راجع إلى الله لأنك رسوله المصدق بالمعجزات ، فهم لا يكذبونك في الحقيقة وإنما
يكذبون الله بجحود آياته ، فاله عن حزنك لنفسك وإن هم كذبوك وأنت صادق وليشغلك عن ذلك ما هو أهم
وهو استعظامك بجحود آيات الله تعالى والاستهانة بكتابه ، ونحوه قول السيد لغلامه إذا أهانه بعض الناس : إنهم
لم يهينوك وإنما أهانوني ، وفي هذه الطريقة قوله تعالى - إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله - وقيل فإنهم لا يكذبونك
بقلوبهم ولكنهم يجحدون بألسنتهم ، وقيل فإنهم لا يكذبونك لأنك عندهم الصادق الموسوم بالصدق ولكنهم